مسمّى عندهم بالبدعة ، وإنكاره بالسنّة ، وبلغ الأمر إلى تكفير القائل بالخلق ، وسفك دمه ، كما مرّ في بشر المريسي ، وغيره .
وبالجملة ، اشتدّ أمر هؤلاء كذلك ، حتّى صار الجمهور الأعظم من المسلمين ، والسواد الأكبر منهم إذا سئلوا عن القرآن يمتنعون عن التلفّظ بأنّه مخلوق . إمّا عن عقيدة بعدم خلقه ، أو عن تقيّة ، لحفظ دمه ، أو مداهنته مع عوامّ الناس ، أو غير ذلك ، كما صرّح بجميع ذلك المأمون في كتابه الآتي ذكره ، حتّى أنّ بعض الأعاظم كانوا يعترفون بصحّة المقدّمتين : الصغرى ، والكبرى من الشكل الأوّل البديهي الإنتاج ، ومع ذلك لا يعترفون بالخلق ، ولا يتلّفظون بأنّه مخلوق ، الذي هو النتيجة .
منهم : بشر بن الوليد الكندي المفلوج ، المتوفّى سنة 238 ه . ق ، عن سبع وتسعين سنة ، اعترف عند إسحاق بن إبراهيم الخزاعي بأنّ القرآن شيء ، وأنّ اللَّه خالق كلّ شيء ، قال إسحاق :
فالقرآن مخلوق ؟ ، فلم يقل : نعم ، بل قال : إنّه ليس به خالق ، فقال : لم أسألك عن هذا ، هل هو مخلوق ؟ فقال بشر : احسن غير ما قلت .
ومنهم : ابن البكا الأكبر : فإنّه لما استنطقه إسحاق بن إبراهيم فقال : القرآن مجعول ومحدث ؟
فقال له إسحاق : فالمجعول مخلوق ؟
قال : نعم .
قال إسحاق : فالقرآن مخلوق ؟
قال : لا أقول مخلوق ، ولكنّه مجعول ومحدث ؛ لقول اللَّه تعالى : «
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ »
« 1 » فهو يعتقد أنّه مجعول محدث ، ليس بقديم ، ومع ذلك لا يتكلّم ، ولا يتلفّظ بأنّ القرآن مخلوق .
ومنهم : أحمد بن حنبل ، فإنّه بعد امتناعه أوّلًا حتّى ضرب بالسياط ، فناظره إسحاق ابن إبراهيم الخزاعي قال له : إنّ معلوماتك وحي إلهيّ من الملك ؟
قال : لا ، بل أخذتها من العلماء .
فقال : هل بقي شيء لم تعلمه ؟
هامش
( 1 ) . الأنبياء : 21 / 2