برسالة نبيّه الأكرم الذي فاتنا فوز زيارته ، والتشرّف بخدمته ، ولا نشاهد منه إلّاتربته ، فلمنر شخصه ، ولا ما ظهر من معجزاته ، وآثاره إلّاهذا الكتاب الكريم الذي تركه بين أُظهرنا ، فلم يبق بيد المسلمين من آثار الإسلام إلّاكلام اللَّه - عزّ وجل - الذي هو من آثار وجوده ، وإبقاء الإسلام لا يكون إلّاببقائه .
وعلى هذه المقدّمات فالواجب على كلّ معتنق للإسلام أن يتحفّظ بكلام ربّه الكريم ، ويبذل غاية اهتمامه في حفظ شؤونه ، ورعاية حرماته ، ويعلن بأذان متواصل على رؤوس الأشهاد بين جميع الملّيّين : إنّ هذا القرآن باقٍ إلى آخر الأبد ، لا يزول ولا يفنى ، ولا يموت ولا يبلى ، ولا ينسخ أحكامه ، ولا يخلق ذكره ، بل كلّما زيدت تلاوة آياته على ما مرّت الدهور واستسعدت بها النفوس البشريّة إلى آخر الأبد يزداد نوره وبهاؤه ، وكلّما تظهر الحوادث والكائنات - فيما سيأتي ممّا أخبر فيه بوقوعها - تتمّ حجّته وبرهانه . ولابدّ لكلّ مسلم أن ينزّه قدره عما يشينه ، و أن لا يوصفه بما توصف به سائر المخلوقات الخسيسة الدنيّة التي لابقاء لها ولا دوام ، بل يسرع عليها الفناء ، والزوال ، والإعدام ، و من أظهر مصاديق هذا الوصف الخسيس هو لفظ « مخلوق » . فإنّه صريح في أنّ الموصوف به فانٍ ، زائل ، بائد ، يخلق ، ويبلى ، ويموت ، ويعدم .
وفيه إيهام بأنّ القرآن - والعياذ باللَّه - ليس كلامه ، بل مكذوب عليه تعالى ، ومختلق من غيره . « 1 »
فوصف القرآن الشريف بأنّه مخلوق توهين له ، وتحقير واعتراف له بأوصاف شنيعة ، لابدّ للمسلم إنكارها ، والإقرار بأنّه كلام اللَّه تعالى ، وبأنّه باقٍ أبدالدهر ، وهو دائم بدوام دين الإسلام ، لا يخلق ولايخلق ، ولا يبلى ولا يموت ، « 2 » ولا يعدم ؛ فإنّ اللَّه هو بنفسه الحافظ له . وبالجملة تعالى اللَّه تبارك اسمه ، و تعالى حسن شأن كلامه المقدّس عمّا يمسّ بكرامته ، ويحقّر رتبته .
وبترتيب هذه المقدّمات ، وتقريب أمثالها من البيانات مالت قلوب بعض العوامّ الجهّال إليها ، وأذعنوا لها ، وتلقّوها بالقبول ؛ حتّى إذا سئلوا عن القرآن امتنعوا عن القول بأنّه مخلوق .
خوفاً عن حصول الإثم لهم في التوصيف بمخلوق . لكونه توهيناً له ، أو تحقيراً لقدره ، فمنشؤ الامتناع عن القول بمخلوقيّة القرآن من أمرين :
هامش
( 1 ) . انظر : معجم الأدباء ، 6 : 211
( 2 ) . انظر : معجم الأدباء : 218 - 217