ومنهم : أبوبشر إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن غلبة الأسدي البصري ، المولود سنة 110 ه . ق . والمتوفّى سنة 193 ه . ق ، من أحد الحفّاظ الأربعة المشاهير عند العامّة ، ترجمه في تأريخ بغداد « 1 » و تذكرةالحفاظ ، « 2 » وغيرها وذكروا أنّه كان يقول بخلق القرآن ، وإنّ سورتي البقرة وآل عمران يجيئان يوم القيامة كالغمامتين ، يظلّلان صاحبهما ، ويحاجّانه ، فقيل له :
« أ لهما لسان » ؟ فقال : « نعم » . فلّما بلغ ذلك - في آخر عمره - محمّد الأمين ، الذي بويع بعد أبيه هارون الرشيد ، سنة 193 ه . ق ، أحضره ، وشتمه ، مخاطباً له بقوله بابن كذا ، يابن كذا ، أ تتكلّم في القرآن ؟ وهمّ بقتله ، فاعتذر هو من الأمين بأنّه كانت زلّة عالم ، وتاب عن قوله .
ويظهر من تأريخ وفاته ، وخلافة الأمين أنّه في طول عمره كان يقول بخلق القرآن ، و - في الأخير - بعد ما شاهد آثار القتل تاب عنه ؛ حفظاً لدمه ، ولذا لم يؤنّبه ؟ ؟ ؟ أحمد بن حنبل ، كما أنّه لم يقبل توبة أحد ممّن قال بخلق القرآن ، كما يأتي ، فقيل لابن حنبل : « أ ليس قد رجع وتاب عن قوله على رؤوس الناس ؟ » فقال : « بلى ، و لكن مازال مبغضاً لأهل الحديث بعد كلامه ذاك إلى أن مات . » « 3 » ومنه يظهر أنّ الامتناع من القول بخلق القرآن كان طريقة أهل الحديث ، المعبّر عنهم بالحشويّة ، كما صرّح به المأمون في كتابته الآتية . « 4 »
هامش
( 1 ) . تأريخ بغداد ، 6 : 227 - 238
( 2 ) . تذكرة الحفاظ ، 1 : 322 - 323
( 3 ) . انظر : تاريخ بغداد : 236 - 237
( 4 ) . في الصفحة 7 من المخطوطة حواشي متعدّدة لم يشطب عليها المؤلّف ، نوردها كما يلي :
و ما ذكره ابن الجوزي في أوّل الباب السادس والستّين من مناقب أحمد بما لفظه : « كل السلف على القول بأنّ القرآن كلام اللَّه غير مخلوق » [ مناقب أحمد : باب 66 ص 416 ] . ممّا لا أصل له ، حكى الرفاعي في المجلد الاوّل من كتابه عصر المأمون في هامش ص 396 عن أستاذه الشيخ عبد الوهاب النجّار انّه ما كانت عند المسلمين عقيدة أنّ القرآن أزليّ غير مخلوق ، ولكنّ القول بخلق القرآن جاء بكراً ، وقبله لم يكن بين المسلمين في خصوص القران قول ينافيه أو يوافقه » ، انتهى ملخّصا . [ انظر عصر المأمون ص 396 وفيه : « ما كان عند المسلمين عقيدة بهذا الوصف » . ]
وهنا حاشية أُخرى لم يظهر لنا ارتباطه بموقع خاص من المتن نوردها كما هو :
« منهم : الجعد بن درهم ، وهو أوّل من قال به كما في البداية و النهاية الذي أظهر مقالته بخلق القرآن في أيام خلافة هشام بن عبد الملك الذي بويع سنة 105 ه . ق ، فأخذه هشام ، وأرسله إلى أمير العراق خالد بن عبد اللَّه القسري المقتول في أيام الوليد بن يزيد سنة 126 ه . ق ، فذبح خالد الجعد في يوم الأضحى بأمر هشام ؛ لقوله بخلق القرآن كما في تأريخ ابن النديم ص 472 ، لكنّه لم يذكر سبب قتله إلّاالزندقة .
ومنهم : مروان بن محمّد المعروف بمروان الحمار ، المتوفّى سنة 132 ه . ق ، وكان ينصر القول بخلق القرآن ، وقد سمّي المروان بالجعدي أو في زندقته ؛ لذهابه مذهب الجعد بن درهم في خلق القرآن ، وقد ذكر الجعد بن درهم و ذكر مروان الحمارا بن الأثير في تأريخه .
ومنهم : الإمام أبو حنيفة نعمان بن ثابت الكوفى ، المتوّفي سنة 150 ه . ق ، حكى في سادس مجلدات تأريخ بغداد ص 245 عن حفيده إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة : أنّه كان يقول في دار المأمون : القرآن مخلوق ، وهو ديني ودين أبي ودين جدّي ، وفي تأريخ بغداد في ترجمة أبي حنيفة عقد باباً في ستّة صحائف في قوله بخلق القرآن ، و ذكر في أوّل أحاديثه أنّه أوّل من قال بخلقه لكن كان الجعد مقدّماً عليه ، و ذكر أنّه استتاب مرّة أو مرّتين أو مراراً ، لكنّه حكى عن تلميذه أبى يوسف القاضي : « أنّه يوم مات كان يقول بخلق القرآن » ، وحكي عن ابنه أنّه قال في توبته : « إنّها كانت تقية على نفسه بتوعيد عيسى بن موسى العباسي والي الكوفة » . وأنكر في السهم المصيب قوله بخلق القرآن رأساً . انتهى ما ورد في حواشي الصفحة 7 من المخطوطة ، وقد أشار المؤلّف رحمه الله إلى أنّ ما ورد في حواشي هذه الصفحة مكرّر ، وقد ثبّتناه هنا ؛ التزاماً بالأمانة العلميّة ، حيث إنّ المؤلّف مع تصريحه المتقدم لم يشطب على تلك الحواشي