وأقول : إنّ أوّل ظهور القول بأنّ القرآن غير مخلوق كان في أواخر القرن الأوّل ، وأوائل القرن الثاني من الهجرة ، وسنفصّل بيان سبب حدوث هذا القول ، ومنشأه وإن لم يعيّن لنا حتّى الآن شخص المبتكر لهذا القول بعينه ، ولا عصره ، وزمانه معيّناً . ولكنّ القائمين بمعارضة هذا القول ، والرادّين على قائله كانوا في ذلك العصر المذكور ، وهم القائلون بخلق القرآن ، كما يأتي .
وبالجملة ، ما ذكره ابن الجوزي في أوّل الباب السادس والستّين من مناقب أحمد بما لفظه :
« كان السلف على القول بأنّ القرآن كلام اللَّه غير مخلوق » « 1 » ممّا لا أصل له ، و لم يذكر في أيّ تأريخ قول أحد من الصحابة ، أو التابعين في القرآن ، و لم يقع تصريح من أحدهم بأنّه مخلوق ، أو غير مخلوق .
وقد اعترف بذلك الرفاعي المؤرّخ المعاصر في المجلد الأوّل من كتابه : عصر المأمون ، وحكاه عن أستاذه الشيخ عبد الوهّاب النجّار المدرّس المحامي المؤرّخ مؤلف زهرة التأريخ المطبوع سنة 1326 ه . ق . بما لفظه : « ما كانت عند المسلمين عقيدة أنّ القرآن أزليّ غير مخلوق ، ولكنّ القول بخلق القرآن جاء بكراً لم يكن لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله ، ولا لأصحابه ، ولا التابعين قول ينافيه أو يوافقه » ، « 2 » فما ذكره ابن خلّكان في ج 1 ص 482 في وجه تسمية المتكلّمين أنّ أوّل خلاف وقع في الدين هو الخلاف في كلام اللَّه مخلوق أم لافتكلّم الناس في الكلام ، وسمّوا بذلك المتكلّمين فلا وجه له ؛ لأنّ الاختلاف في الدين كان في الخلافة يوم السقيفة ، وأوّل خلاف في القرآن كان أوائل القرن الثاني ، وأوّل من أظهر مقالته بخلق القرآن هو الجعد بن درهم ، ( المتوفّى سنة 124 ه . ق ) كما أرّخه ابن كثير في كتابه البداية والنهاية « 3 » وصرّح بأنّه أوّل من أظهر القول بخلق القرآن . وترجمه ابن النديم في الفهرست قال : « وإليه ينسب المروان بن محمد المعروف بمروان الحمار ، آخر خلفاء بني أميّة ، فيقال : مروان الجعدي . لأنّه كان مؤدّباً له وولده » « 4 » ، وترجمه ابن الأثير في تأريخه ، قال : « وكان إظهاره بالقول بخلق القرآن في أيّام هشام بن عبد الملك الذي بويع للخلافة سنة 105 ه . ق ، فأخذه هشام ، وأرسله إلى أميره بالعراق ( خالد بن عبداللَّه القسري ) المقتول في أيام الوليد بن يزيد سنة 126 ه . ق ، و بعد طول
هامش
( 1 ) . مناقب أحمد : باب 66 ، ص 416
( 2 ) . انظر : عصر المأمون ، ج 1 ، ص 396
( 3 ) . البداية والنهاية ، ج 10 ، ص 21
( 4 ) . الفهرست لابن النديم ، ص 400 - 401