بذلك خرّيت الصناعة ، ميرزا عبد اللَّه ، المعروف بالأفندي في كتابه رياض العلماء ، ويستظهر تشيّع من ذكروا في ترجمته أنّه معتزلي غالباً ؛ لذلك الاحتمال إذا كان المترجم كذلك محتمل التشيّع في نفسه .
وبالجملة : فالغالب توافق الإماميّة ، والمعتزلة في الأصول الدينيّة ، كما أنّ الغالب أقربيّة الإماميّة مع الشوافع في الفروع والأحكام من سائر المذاهب ، وتمايل المعتزلة إلى الحقائق الواقعيّة ، والمذاهب الحقّة المأخوذة عن معادن العلم ، والحكمة كان أكثر من الأشاعرة فيها ، إذا كانوا بصدد استكشاف الواقعيّات ، والإطّلاع ، على الحقائق ، دون المراء والجدال .
والذي يظهر لكلّ من سير التواريخ هو أنّ أكثر المناظرات الكلاميّة الجارية بين قدماء المتكلّمين المتقرّبين إلى الخلفاء والملوك لم تكن مبتنية على إرادة استكشاف الحقائق والواقعيات ، بل لم تنعقد أكثر مجالسها إلّاللمجادلة ، فالمنشأ الغالبي فيها إرادة الجدل ، والغلبة على الخصوم في المجالس . لينتج منها قرب السلطان ، واعلاء الذكر ، و نشر الصيت بين العامّة والخاصّة .
وقد حكى المولوي شاه ولي اللَّه الدهلوي في كتابه الإنصاف كلام حجّة الإسلام الغزالي في هذا الباب بما لفظه : « قال الغزالي : إن بعد عصر الخلفاء الراشدين استولى على الخلافة قوم به غير استحقاق ، ولا علم بالأحكام ، فاحتاجوا إلى استصحاب الفقهاء ، فبعضهم كانوا على الطراز الأوّل ، إذا طلبوا هربوا ، وبعضهم تقرّبوا إلى الخلفاء ، وصنّفوا في علم الكلام ، والجدل ، والاختلاف في المذاهب كلّ على قدرة مساعدة الأمور الموقّتة ، والأسباب المهيّئة » . « 1 »
أقول - بصريح القول - : ممّا ظهر لنا بالفحص في الكتب التأريخيّة أنّ من المناظرات الجارية هذا المجرى ، والمتداولة بينهم بداعي إفحام الخصم ، وتنزيل قدره ، وتحقيره ، وإسقاطه عن أعين الناس ، بل إذلاله وانكساره ، وإعدامه هو البحث والسؤال عن القرآن بأنّه كلام قديم أو حادث مخلوق ؟ وأوّل ظهور القول بعضهم القرآن غير مخلوق تماماً ، وهذياً ، لأن الداعي لهذا البحث والسؤال عن كلّ من وقع منه من أوّل ظهور القول أنّ القرآن غير مخلوق ، حتّى العصر الحاضر لم يكن إلّاالغلبة في المجادلة ، وإعدام الخصم ؛ لأنّه إن أجاب بأنّه مخلوق فيقال : هذا زنديق ؛ لانّه كذّب القرآن ، وقال هو مختلق ، وإن قال : غير مخلوق ، فيقال : هذا مشرك قائل بتعدّد القدماء ، فهذه مسألة لا مخلص للخصم عنها من رميه بما يشينه ، ويزيل وجاهته بكلّ طريق سلك .
هامش
( 1 ) . انظر : إحياء علوم الدين : 44