باعتراف الأشاعرة الذين هم المخالفون في المسألة .
فيظهر أنّ محلّ النزاع شيء آخر ، غير هذا الكلام الذي قلّما توجد ورقة ما بين الدفّتين إلّا وفيها الإخبار عنه بالنزول ، والإنزال ، والتنزيل ، وغيرها ، أو توصيفه بالمنزل والمنزّل ، أو غيرهما ممّا هو ظاهر في مخلوقيّته ؛ فإنّ المراد بالإنزال : إمّا الخلق ، كما في
« أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ »
« 1 » ،
« وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ »
« 2 » وغيرهما ، أو المراد بالإنزال والنزول :
الحلول الذي هو من صفات المخلوق ، كما سنذكره .
فقد ظهر أنّ الحاكي لكلام اللَّه تعالى - وهو القرآن الموجود بين الدفّتين - ممّا لا ينبغي للعاقل احتمال قدمه ، لا بوجوده الكتبي ، ولا بوجوده اللّفظي ، فضلًا عن اعتقاد القدم فيه . و كذا المحكي الذي هو كلام اللَّه المنزل على نبيّه صلى الله عليه و آله بتوسّط أمين الوحي ممّا لم يدّع الخصم قدمه ، فضلًا عن دلالة جلّ آياته على أنّه محدث مخلوق .
وعلى هذا ، فما هو موضوع هذا البحث ؟ وأيّ شيء هو محلّ الخلاف في هذه المسألة ؟
فالواجب أوّلًا : تحرير محلّ البحث وموضوع النزاع ، ثمّ التكلّم فيه ، ولو فرضنا أنّ مسلماً اعتقد قدم القرآن الموجود بين الدفّتين ، والحاكي لكلام اللَّه تعالى ، كما ينسب إلى بعض الحنابلة ، فالبداهة قاضية عليه ، ولا نتكلّف في دفعه ، أو فرضنا أنّ أحداً ذهب إلى أنّ الكلام الإلهي المنزل بألفاظه بتوسّط أمين الوحى قديم فهو مدافع لصريح الكلام الإلهي في أكثر صفحاته من الحكم عليه بأنّه في لوح المحفوظ ، فاللوح محيط به ، وأيضاً أنّه منزل وحالّ في روع جبرائيل وبتوسّطه على قلب النبي صلى الله عليه و آله ، فالقرآن بنفسه قائم يدفعه ، مع أنّهما - حسب عقيدتيهما - ملتزمان بتعدّد القدماء . - ونعوذ باللَّه من هذا القول - ؛ لأنّه على حدّ الشرك باللَّه تعالى ، حيث إنّه الحيّ القديم الواجب وجوده لذاته ، لا يشاركه في تلك الأوصاف الذاتيّة شيء ، فلا قديم في الوجود إلّاهو ، وحده لا شريك له ، و من جوّز أن يكون معه قديم آخر فليس من الموحّدين .
وكما وقع الاختلاف قديماً بين - غير الشيعة من - سائر طوائف المسلمين في الأحكام الشرعيّة ، وفروع الدين ، و مال كلّ فريق إلى إمام مذهب من المذاهب الكثيرة .
ومنها : الأربعة الباقية حتىّ العصر الحاضر ، كما فصّلناه مستقلًّا في رسالتنا الموسومة به
هامش
( 1 ) . الحديد : 57 / 25
( 2 ) . الزمر : 39 / 6