وسيلة النقل على سائقها ، و يرى البدن نفسه هو الأساس الذي تتقوّم الشخصية الإنسانية به و على العقل أن يتابعه في خطواته و إشباع مطاليبه الغريزية المادّية ، فيحصل الانفصام بين العقل و البدن ، فتجد العقل يصدر حكماً بحسن العدل ، فيجيبه البدن : أنا لا يهمّني الحُسن و القُبح ، و لا العدل و الظلم ، و إنّما يهمّني تحقيق الإشباع المطلوب بأعلى قدر ممكن و من أيّ طريق حصل ، و يصدر العقل حكماً بحُسن العفّة و قبح الابتذال ، فيجيبه البدن بالجواب نفسه ، و يصدر العقل حكماً بحُسن الصدق و قُبح الكذب فيجيبه البدن بالجواب نفسه ، العقل يوجّه أحكامه هذه إلى البدن على أمل أن يطيعه البدن فيها كما يطيع الجندي قائده ، لكنّه يفاجأ بتمرّد البدن ، و بمرور الزمن و تعاقب الأحداث يضطرّ العقل إلى التغافل عن أحكامه و مجاراة البدن في مطاليبه و اتجاهاته ، و بالنتيجة يصبح البدن هو السائق بعدما كان في أصل الخلقة وسيلة يستعين بها العقل على أداء الحقّ و اجتناب الباطل .
هذا هو الواقع الإنساني ، فما التطوير الذي تقدّمه العقيدة له ؟
التطوير الذي تحقّقه العقيدة عبارة عن دعم العقل و جعله في موقع أقوى ، و ترويض البدن و تهذيبه و نزع روح الخصومة مع العقل عنه بحيث تكون المحصّلة لصالح حاكمية العقل في الشخصية الإنسانية ، و من هنا يتّضح أنّ العقيدة ليست بديلًا عن العقل ، و إنّما هي قوّة إضافية تدعم موقع العقل و تحول دون طغيان البدن و تمنع من اختلال الشخصية الإنسانية ، بحيث يتجاوب البدن مع العقل في مقولاته و أحكامه التي يصدرها ، و يصبح السلوك عقليّاً بعدما كان إلى الطبيعة الغريزية أقرب منه إلى الطبيعة العقلية .
كما يتّضح أنّ حضور العقيدة في الشخصية الإنسانية كلّما كان أكبر أدّى إلى حضور أكبر للعقل فيها ، حتّى تضاهي المعقولات درجة المحسوسات من حيث حضورها و تأثيرها في الشخصية الإنسانية ، فيكون الإنسان قد بلغ أوج رقيّه و كماله .
و هذا الدور لا يستطيع كلّ أحد أن يدّعيه ، و إنّما الذي يستطيع الادّعاء به هو العقيدة السماوية التي يحضر فيها المعنى السماوي بنحو مكثّف جدّاً ، فكلّما اشتدّ المعنى السماوي في العقيدة كثافة كلّما كانت هذه العقيدة أكثر قدرة على تطوير الواقع الإنساني و إحداث التغيير الربّاني المطلوب فيه ، بحيث نستطيع أن نميِّز العقيدة السماوية الصحيحة عن العقيدة الباطلة ، من خلال شدّة كثافة المعنى السماوي فيها .
فالعقيدة التي تؤمن بتوحيد فعّال في الساحة الاجتماعية هي العقيدة الصحيحة ، بينما
مرزبان وحى و خرد ( يادنامه مرحوم علامه سيد محمد حسين طباطبائي قدس سره ) ( فارسى ) — صفحة 541
مساهمون: مؤسسه بوستان كتاب قم
ص٥٤١