القانون و الدولة ليست هي المعنى الحقيقي للمسؤولية المطلوبة ، فإنّ هذه المسؤولية تدور في حدود الإشباعات الغريزية للإنسان التي تأخذ صفة الحقوق و الواجبات المتبادلة بين الفرد و الدولة ، و المسؤولية المطلوبة التي تمثِّل جوهر الحياة و جوهر الحضارة هي المسؤولية الأخلاقية تجاه الكون و الحياة و الإنسان الآخر في الأرض التي تتجلّى في صراعات الدول و الأمم و ثورات الشعوب ، كما تتجلّى في موارد قدرة الإنسان على الانفلات من قبضة القانون ، فإذا كان القانون هو منبع الشعور بالمسؤولية تجاه الإنسان الآخر ، فما هو منبع الشعور بالمسؤولية في موارد القدرة على الانفلات من القانون ؟ فإنّ الإنسان القادر على إيجاد القانون قادر على الانفلات منه ، و هذه القدرة تتناسب طرديّاً مع المكانة الاجتماعية و الحقوقية لذلك الإنسان .
و هذا يوضِّح أنّ المسؤولية لا تتولّد في الإنسان من الإحساس بمراقبة الإنسان الآخر له . و إنّما تتولّد من الإحساس بمراقبة قوّة عليا مطلقة تمتلك حقّاً ذاتياً في المراقبة و المحاسبة ، و إنّها تراقبه رحمةً فيه و حبّاً له و توفيراً لمصلحته الدنيوية و الأخروية ، حينئذٍ يشعر بالمسؤولية تجاهها بطيب نفس منه ، بينما يحاول الفرار من مراقبة الإنسان الآخر له ؛ لأنّه في داخله لا يشعر باستحقاق هذا الإنسان لأن يكون مراقباً عليه ما دام هو مماثلًا له ، و لكن ما دام القانون يفرض ذلك عليه فهو مكره على الإذعان له كلّما تعذّر الفرار منه عليه ، و متى ما آنس من نفسه القدرة على الفرار لم يتوان عن ذلك في كلّ حالة يرى فيها أنّ القانون مضرّ بمصلحته ، و أنّ الفرار يوفِّر له مصلحة مفقودة .
و هذا النوع من المسؤولية أرقى من النوع السابق الذي يوفّره القانون ؛ لأنّ المسؤولية التي يوفّرها التوحيد قادرة على ضبط تصرّفات الإنسان في سرّه فضلًا عن علانيّته ، بينما القانون في أحسن حالاته ليس قادراً إلّاعلى ضبط تصرّفات الإنسان في علانيّته فقط . و هنا يتولّد اللّازم الثالث من لوازم تطوّر المسيرة الإنسانية و هو تكامل الشخصية الإنسانية ، فإنّ هذا التكامل لايتمّ إلّاعلى أساس الإحساس بالمسؤولية الراقية التوحيدية التي تحقّق أعلى درجات الضبط في خلجات الإنسان و جوانحه و سوانحه قبل أن تعكس على جوارحه و أعماله ، كما أنّ الكمال أمرٌ يستلزم شعوراً أَوّلياً بالنقص تجاه قدرة عليا تتّسم بالكمال ، و هذا الشعور لا يتحقّق عند الإنسان عندما يكون بعيداً عن دائرة التوحيد ؛ لأنّه في هذه الحالة سيرى نفسه أكمل المخلوقات التي من حوله . و لا يشعر بالنقص و بالحاجة إلى الكمال إلّاعندما يدخل دائرة
مرزبان وحى و خرد ( يادنامه مرحوم علامه سيد محمد حسين طباطبائي قدس سره ) ( فارسى ) — صفحة 539
مساهمون: مؤسسه بوستان كتاب قم
ص٥٣٩