تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرزبان وحى و خرد ( يادنامه مرحوم علامه سيد محمد حسين طباطبائي قدس سره ) ( فارسى ) — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
التوحيد و يتجلّى الخالق العظيم في بصيرته ككمال مطلق يحتاج كلّ ناقص إليه . و هنا أيضاً يتولّد اللازم الرابع من لوازم تطوّر المسيرة الإنسانية و هو الأخلاق ، فإنّ الأخلاق بما هي إيثار للآخر على الأنا تمثِّل المدلول السلوكي الاجتماعي لما يرتكز عليه الدين و يسعى إلى تركيزه في الحياة كقاعدة للحضارة الإنسانية ، و هو تقدّم الغيب على الشهادة في رتبة الوجود ، فالإحساس الراسخ بأنّ الغيب هو العلّة لعالم المادّة و أنّه أشرف و أرقى في رتبة الوجود منه تمثّل الجذر النفسي العميق الذي يعبّر عن نفسه على الصعيد السلوكي و الاجتماعي بإيثار مصلحة الآخر على مصلحة الأنا ، حيث يلعب الآخر في الحقل الاجتماعي دور الغيب فيما يلعب الأنا دور الشهادة ، و لمّا كانت المسيرة الإنسانية قائمة على أساس التوحيد الذي يعني على الصعيد الفلسفي أولويّة الغيب على الشهادة ، فإنّ هذا الأساس ينعكس في الحياة الاجتماعية ، بصورة تقديم الآخر على الأنا ؛ و هذا هو جوهر الأخلاق التي تقدّمه العقيدة للإنسان . إنّ الهدفية و المسؤولية و الكمال و الأخلاق خواصّ دينية و معطيات عقائدية تقدّمها العقيدة كمستلزمات مطلوبة لتطوير المسيرة الإنسانية . قلنا : إنّ الدور الثاني للعقيدة هو تطوير الواقع الإنساني ، و حينما نتحدّث عن هذا الدور لابدّ و أن نبيّن أوّلًا طبيعة هذا الواقع لنعرف بعد ذلك كيف تقوم العقيدة بتطويره . الواقع الإنساني عبارة عن شخصية تتقوّم بكيان مادّي مزوّد بغرائز وظيفتها حماية هذا الكيان المادّي ، و تطالب بإشباع الحاجات المادّية للبدن كتعبير عن هذه الحماية ، كما تتقوّم بجهاز عقلي يستعين به الإنسان على وعي الواقع الذي من حوله ، و إدراك طبيعة الأهداف التي يجب عليه السعي نحو تحقيقها ، و طبيعة الطريق الذي يجب عليه انتخابه . البدن بمثابة وسيلة النقل التي يستعين بها السائق للوصول إلى أهدافه ، فالهدف و الطريق و الاستخدام أمور من شأن السائق ، و ليس لوسيلة النقل أن تتدخّل في ذلك ، و الشيء الوحيد الذي من شأنها هو أن تطالب بالوقود و الصيانة لا من أجل نفسها ، و إنّما من أجل الإنسان الذي يقودها به وصف أنّ عملية الاستخدام و الاستفادة منها تتوقّف على ذلك . و العقل هو السائق الذي يعيّن الأهداف و ينتخب الطريق و يوظّف البدن في الاتجاهات المطلوبة ، هذا هو الواقع الإنساني ، غير أنّ المشكلة التي يواجهها الإنسان في مسيرته تتمثّل في اختلال المعادلة المذكورة بين العقل و البدن ، و ذلك حينما يطغى البدن على العقل و تتمرّد