هذه هي الخطوة الثانية .
وهذا هو الدور الذي يشير إليه الفقهاء في تعريفاتهم التي يذكرونها عن العدالة ، و هو لايتنافى مع ما يقرّره المتكلِّمون والاصوليّون من أنّ العقل مستقلّ في إدراك العدل ، فإنّ العقل يدرك الأصل العقلي للمسألة ولا يدرك التفاصيل ، كما لا يضمن التطبيق ، فيأتي الدين ليشير إلى التفاصيل في شريعته و يضمن التطبيق في عقيدته ، و هذا هو دور التوحيد في العدل .
ثمّ إنّ للتوحيد دور في تحديد مفهوم المنفعة والمصلحة ، فإنّ المنفعة تمثِّل أبرز دافع للحركة والنشاط في عالم الإنسان ، إلّاأنّ هذه المنفعة لها مفهومها الأرضي المنفصل عن التوحيد ، و مفهومها السماوي المستمدّ من التوحيد ، فالمنفعة في المفهوم الأرضي تعني استيفاء اللذائذ والشهوات المادية الدنيوية بالقدر المتاح للإنسان و تحقيق أعلى درجة ممكنة من الإشباع فيها ، بينما هي في المفهوم السماوي التوحيدي تعني استيفاء اللذائذ والشهوات الدنيوية والأخروية ، المادّية والمعنوية ، وواضح أنّ هذا المفهوم أوسع من المفهوم الأرضي ، و بالتالي فهو يتّكئ على رؤية واقعية بخلاف المفهوم الأرضي المستمدّ من نصف الواقع و هو النصف الدنيوي المادّي ، كما أنّ المفهوم التوحيدي مفهوم متكامل متعادل يجمع بين مصالح الدنيا و قِيَم الآخرة ، بين أغراض المادّة و مُثُل الروح ، بخلاف المفهوم الأرضي الناقص .
كما يتدخّل التوحيد في تحديد مفهوم آخر هو الإصلاح ، فعندما يفكِّر الإنسان بمعزل عن التوحيد يرى الصلاح والإصلاح بنحو ، و عندما يفكِّر على أساس التوحيد يراهما بنحوٍ آخر ، قال تعالى :
« وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ »
« 1 »
.
فهؤلاء لا يكذبّون حينما يدّعون لأنفسهم الصلاح و ينسبون السفاهة للمؤمنين ، وإنّما ينطلقون من رؤية و مفهوم للصلاح والسفاهة غير المفهوم والرؤية التي ينطلق منها القرآن حينما ينسبهم إلى الفساد والسفاهة ، فإنّ الصلاح يعني العودة إلى الأصل الصحيح و تجاوز الانحراف و تصحيح المسيرة في ضوء ذلك الأصل ، وهنا نقطة الاختلاف الجوهريّة بين المؤمن و غير المؤمن ، فإنّ الأصل الذي يتمّ الإصلاح في ضوئه ، و يتمّ تصحيح المسيرة على أساس العودة
هامش
( 1 ) . البقرة ، آية 11 - 13