تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرزبان وحى و خرد ( يادنامه مرحوم علامه سيد محمد حسين طباطبائي قدس سره ) ( فارسى ) — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
حاجات ولوازم . وقد اتّضح ممّا سبق أن منشأ النزاع بين الحضارتين في هذه النقطة يعود إلى العنصر الرابع المتمثِّل بالتوحيد ، فإن حُذف هذا العنصر عن الساحة الإنسانية ، أخذت الدنيا والمال واللغة والوطن والقومية والحرّية طابع الأُصول والقواعد والأُسس التي تنهض الحياة على أساسها ، و أصبح الدين والمعتقد والأخلاق والقيمَ المعنوية بمثابة الحاجات التي تستلزمها الحياة ، و من هنا جاء انتقادنا لمن يتحدّث عن الدين و دوره في الحياة بلغة الحاجات واللوازم ، فإنّ هذه اللغة ليست لغة الدين والحضارة الدينية ، و إنّما لغة من ينظر إلى الدين من زاوية أرضية و يجعله جزءاً من حضارة أرضية قائمة على أُسس و قواعد و أُصول مادّية . و عندما يدخل التوحيد إلى الساحة البشرية تنقلب المعادلة الأرضية رأساً على عقب ، فما جعلته الحضارة الأرضية حاجة من حاجاتها و لازماً من لوازم الحياة تجعله الحضارة التوحيدية السماوية أساساً و قاعدة وأصلًا وهو العقيدة ، و ما جعلته الحضارة الأرضية أساساً و قاعدة و أصلًا أصبح في ظلّ الحضارة التوحيدية حاجة ولازماً من لوازم الحياة كالمال والوطن والقومية والحرّية واللغة . هذا الجانب الأوّل من الكشف والرؤية الواقعية الصادقة التي تقدّمها العقيدة و بعده يأتي الجانب الثاني المتّصل بحاجات الحياة ولوازم الحضارة ، فبعدما تميّزت أُصول الحضارة عن لوازمها و حاجاتها يحتاج الإنسان إلى كشف تفصيلي عن كلّ لازم من هذه اللوازم و حاجة من هذه الحاجات ، فتأتي العقيدة لتُبيّن مفهومها عن كلّ واحد منها و لتتصدّى من خلال ذلك لبيان الواقع وكشف الحقيقة بشأن كلِّ منها . و أوّل مفهوم تعرضه هو مفهوم الاستخلاف الذي هو من لوازم التوحيد ، والاستخلاف يعني أنّ علاقة الإنسان بالكون هي علاقة استخلاف و ليست علاقة تملّك ، به وصف أنّ المالك الحقيقي للإنسان والكون والحياة هو اللَّه سبحانه و تعالى ، إنكار التوحيد يؤدّي بالإنسان إلى ادّعاء تملُّك الأرض والنفس و ما حوله من الحاجات ، والإيمان بالتوحيد يُسقط هذا الادّعاء و يقيم محلّه علاقة استخلاف ، علاقة التملّك أوثق بالمقياس المادّي من علاقة الاستخلاف ، لأنّ صلة الإنسان بالمادّة تكون أكبر ، والإنتاج المادّي يكون بسببها أوفر ، كما هو الملحوظ في كلّ حضارة أرضية كالحضارة الغربية ، لكن علاقة الاستخلاف بالمقياس المعنوي أرقى ؛ لأنّ مفهوم الخلافة يجعل الإنسان في موقع معنوي أرقى بحيث تكون له سلطة حقيقية على المادّة ، بينما تضعف هذه السلطة في علاقة التملّك بحيث يبدو الإنسان وكأنّه مملوك للمادّة لا أنّه مالك لها .