و هكذا ، حينما ينظر إلى الجماعة الإنسانية التي يعيش في وسطها ، لا ينظر إليها بمنظار القومية التي تجعل الخواص المحلّية المشتركة هي الأصل في الانتماء إلى هذه الجماعة ، بل ينظر إليها بمنظار إيماني يجعل العقيدة هي الأصل ، و الخواص المحلّية عبارة عن هامش طارئ في الشخصية الإنسانية ، كما هو الواضح من قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا ، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ » .
« 1 »
فالذكورة و الأُنوثة ، و القوميّات و الأوطان والألسنة و الألوان خصائص محلّية و شكلية تقع على هامش الواقع الإنساني ، و من القبيح أن يقع التفاضل به مثل هذه الخصائص دون الخصائص الأصيلة المتمثِّلة بالجانب الروحي و المعنوي والقِيَمي عند الإنسان .
و حينما ينظر إلى الحياة السياسية يرى ضرورة مشاركة الأُمَّة في السلطة من باب الشورى بما هي وسيلة لإدراك الصواب واكتشاف الحقيقة ، ولا ينظر إلى هذه المشاركة من الزاوية الديمقراطية بما هي قيمة عليا في الحياة السياسية سواءً أدّت إلى حقّ أو باطل ، الشورى في الإسلام وظيفة من وظائف الحاكم ، و شرط من شروط السلطة ، وليست هي الأساس والمنبع لشرعية الجهاز الحاكم ، ووظيفة الحاكم ليست هي الأخذ برأي الأكثرية ، وإنّما وظيفته العمل بالصواب المتجلّي من خلال عملية الشورى بغضّ النظر عن طرفي الأقلّية و الأكثرية ، وقد يأخذ برأي الأكثرية ، لكن لا لأجل صفة الأكثرية ، و إنّما لأجل ما يتجلّى له من خلال عملية الشورى من أنّ الصواب هو ما عليه الأكثرية ، أو أنّ الصواب متابعة الأكثرية من باب المداراة و الحيلولة دون انشقاق المجتمع ، والنصوص الإسلامية في هذا المجال تشير إلى هذه الحقيقة مثل قول الإمام عليّ عليه السلام : « اضربوا بعض الرأي ببعضٍ يتولّد منه الصواب » « 2 » ، وقوله عليه السلام : « من استبدّ برأيه هلك و من شاور الرجال شاركها في عقولها » . « 3 »
فالمشاورة ليس لها قيمة موضوعية ذاتية ، و إنّما هي ضرورة للتوصّل إلى الصواب ، وكيف تكون المشاورة ذات قيمة ذاتية في الوقت الذي لا تحظى الدولة ورئاستها على ما لها من الأهميّة بهذه القيمة ، و إنّما هي من وجهة نظر الإسلام وسيلة لإقرار حاكمية الدين في الحياة وتكريس العدالة و إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه ، كما هو واضح من كلام أمير المؤمنين عليه السلام مع
هامش
( 1 ) . الحُجرات ، آية 13
( 2 ) . غرر الحكم ، ص 152
( 3 ) . نهج البلاغة ، قصار الحكم ، ص 161