تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرزبان وحى و خرد ( يادنامه مرحوم علامه سيد محمد حسين طباطبائي قدس سره ) ( فارسى ) — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩

طبيعة الكشف الذي تحقّقه العقيدة

و هكذا يتّضح أنّ دخول التوحيد إلى الساحة من شأنه أن يحدث إنقلاباً نوعيّاً و جذريّاً في طبيعة الرؤية الإنسانية للكون والحياة والإنسان ، و يتجلّى هذا الانقلاب في جانبين : أ . تمييز الأصول عن الحاجات تمييزاً واقعيّاً . ب . إيجاد المفاهيم الواقعية التي من شأنها أن تكشف عن الواقع الإنساني والكوني بالصورة التي هو عليها . وفي ضوء هذا المعنى نستطيع أن نفهم معنى الآيات القرآنية و الأحاديث النبويّة وروايات الأئمّة المعصومين عليهم السلام التي تصف الدنيا بأنّها دار الغرور ، وأنّها خادعة مزخرفة ، فإنّ هذه النصوص تتحدّث عن الدنيا حينما يُنظر إليها بمنظار الصيغة الثلاثية - حسب تعبير السيّد الشهيد الصدر - فهي صيغة خادعة لا تعكس الواقع ، و من شأنها أن تخدع الإنسان و توقعه في الغرور وتلعب معه دور المكر والحيلة ، حينما تقدِّم له صورة كاذبة ملؤها العبث واللهو واللامسؤولية والطيش والشهوات و تقول له : خذ ما تريد فلا سائل ولا مسؤول ولا منكر ولانكير . ثمّ تأتي الصيغة الرباعية ، أو بتعبير أدقّ العنصر الرابع الذي هو التوحيد ، ليبيّن للإنسان كذب الصورة السابقة و زيفها و خداعها ، و ليقدِّم له صورة واقعية صادقة وكشفاً تامّاً عن حقيقة الوجود والكون والإنسان والحياة ، و هذا هو الدور الأوّل ، ثمّ بعد ذلك يوفِّر له وسائل تطوير الواقع الإنساني في ضوء تلك الحقيقة ، و هذا هو الدور الثاني . و قد قلنا : إنّ الدور الأوّل يقع في جانبين ، في الجانب الأوّل تقدّم العقيدة للإنسان تمييزاً صحيحاً لعناصر الحياة و الحضارة ، فإنّ في هذه العناصر ما هو أُسس و أصول و قواعد ، و ما هو حاجات ولوازم لاتتمّ الحياة إلّابها ، فإنّ من يريد أن يتصدّى لبناء الحياة والحضارة ، عليه أن يميّز القاعدة التي يريد أن يتّخذها أساساً في البناء عن الحاجات التي تستلزمها عملية البناء ، ولا يتمّ ذلك إلّابها ، و هذه النقطة تمثِّل الفرق الأوّل بين الحضارة السماوية و الحضارة الأرضية ، فما تجعله الحضارة السماوية أساساً وقاعدةً وأصلًا تتّخذه الحضارة الأرضية حاجات ولوازم ، و ما تجعله الحضارة الأرضية قواعد و أُسس و أُصول تجعله الحضارة الأرضية