يتحدّث بها نظرة متأصّلة ، فتكون هناك النظرة القوميّة التيتعتبر اللغة خزيناً تودع فيه القوميات خصائصها و تجاربها و طباعها ، و ينظر إلى من حوله ممّن يشترك معهم ببعض المشتركات نظرة متأصِّلة ، فتكون هناك القومية المتعصِّبة التي ترى أنّ لكلّ قومية خصائص مودّعة فيها و روحاً كامنة بين جنباتها تهِب لها الامتياز على القوميات الأُخرى ، و ينظر إلى السلطة أصلًا قائماً بنفسه بغضّ النظر عن ما هو حقّ و ما هو باطل ، ولا بدّ من اتّباعه وإن أدّى إلى مخالفة الحقّ و تأييد الباطل .
بينما يعيش الإنسان في ظلال العقيدة الإلهية التي تكرِّس حاكمية اللَّه و موقعه المتأصِّل في حياة الإنسان ، شعوراً بتبعيّة طبيعية لهذا المحور ، و يفقد ما كان يشعر به سابقاً من موقع متأصّل ، و من الطبيعي في مثل هذه الحالة أن ينعكس هذا الطابع على ما يعيشه من واقع اجتماعي و سياسي .
فحينما ينظر إلى الأرض ، سوف لا يجدها بالصورة التي يطرحها مفهوم الوطنية الحديث عنها كمثل أعلى و كرمز يستحقّ الولاء والفداء ، و إنّما سيجدها عبارة عن ضرروة من ضرورات الحياة ، وحاجة من حاجاتها ، و لازم من لوازمها ، و من الممكن أن تنشأ رابطة عاطفية بين الإنسان و بين مسقط رأسه أو محلّ عيشه ؛ و لكن هذا ليس لأجل سبب ذاتي في تلك النقطة من الأرض ، به قدر ما هي تجلّيات عاطفية إيجابية في الإنسان يعكسها تجاه ما ترتبط به حياته من إنسان و جماد و نبات و حيوان و ماء و هواء ، و مهما اشتدّت هذه التجلّيات لا تصل إلى مستوى أن تكون هي الأساس في العلاقة مع الأرض ، و يبقى الأساس في العلاقة معها هو الحاجة .
فمسقط الرأس إذا لم يوفِّر هذه الحاجة للإنسان ، يهجره صاحبه و ينتقل إلى نقطة أُخرى توفِّر له حاجاته و تشبع أغراضه ؛ ولذا قال أميرالمؤمنين عليه السلام : « ليس بلد بأحقّ بك من بلد ، خير البلاد ما حَملك » « 1 » ، و هاجر النبيّ صلى الله عليه و آله من مكّة مع أصحابه دون أن تنقطع عاطفته تجاهها .
و حينما ينظر إلى اللغة التي يتكلّم بها يراها وسيلة يحتاج إليها للتفاهم مع الآخرين ، ولاينظر إليها بالصورة التي تطرحها القومية الحديثة عن اللغات .
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة ، قصار الحكم ، ص 442