و الكفر نلمس آثاراً دنيوية و أخروية بمستوى القمّة ، بحيث لا نتصوّر أثراً دنيوياً و لا أخروياً إلّا و هي أعظم منه ، الأمر الذي يجعلنا نبحث عن أعظم الأدوار المتصوّرة في مضمار الحياة البشرية لنربط بينها و بين مسألة الإيمان باللَّه سبحانه و تعالى .
فياترى ، ما هي طبيعة الأدوار العظيمة التي تلعبها العقيدة في حياة الإنسان ، بحيث أصبحت تستحقّ كلّ هذه الآثار الدنيوية و الأخروية التي يتحدّث عنها القرآن الكريم ؟
دراستنا هذه محاولة للإجابة على هذا التساؤل الذي يمثِّل الضمير الخفيّ لكثير من الشبهات و الاستفهامات و الاعتراضات ، كما يمثِّل المدخل المناسب لمعالجة موضوعة فلسفة الدين في حياة الإنسان .
الدوران الأساسيّان للعقيدة [ الكشف عن الواقع الكوني و الإنساني و تطوير الواقع الإنساني و إيصاله حدّ الكمال ]
تطلب العقائد لتلعب دورين أساسيّين في حياة الإنسان ، و مجموعهما يشكِّل جوهر الحضارة ، و هما :
أ . الكشف عن الواقع الكوني و الإنساني .
ب . تطوير الواقع الإنساني و إيصاله حدّ الكمال .
و لو تأمّل الإنسان الأثر الذي تتركه المعلومات التي يُحوِّزها ، و الأفكار التي يعتقد بها في نفسه لوجد أنّ كلّ معلومة و فكرة تحقّق في النفس كشفاً معيّناً عن واقع ما ، و تقدّم رؤية عن ذلك الواقع ، كما يُحدث المصباح في لحظة توهّجه كشفاً عن الواقع المحيط به ، الواقع موجود قبل توهّج المصباح و بعد توهّجه ، و الشيء الذي يحقّقه المصباح هو إماطة اللِّثام عن ذلك الواقع ، و الكشف عنه بعد ما كان خافياً تحت سِتار كثيف من الظّلام . و رُبّما تعدّدت المصابيح ، فهناك مصباح له شعاع أحمر ، و آخر له شعاع أصفر ، و هكذا . . . و كلّ مصباح يصبغ الواقع بلون الشعاع المتولِّد منه ، فتتعدّد صورة الواقع تبعاً لتعدّد ألوان المصابيح المتوهِّجة ، فتكون الرؤية الناشئة عنها كاذبة و مضلِّلة .
و هكذا الأمر في العقائد ، فإنّها تحقّق في النفس كشفاً عن الواقع و رؤية معيّنة له .
و عندما تتعدّد العقائد ، تتعدّد الرؤى الناشئة عنها للواقع ، و حيث إنّ الواقع واحد لا يقبل التعدّد ، فلا بدّ و أن تكون الرؤى المتعدِّدة ، إمّا كلّها كاذبة و إمّا إحداها صادقة ، والباقي منها كاذبة مضلِّلة ، و هذا هو الفرق بين العقيدة الصحيحة و العقيدة الباطلة ، العقيدة الصحيحة تقدِّم