الدين بما هو دين ، و لا إلى العقيدة بما هي عقيدة ، و إنّما ينظرون إلى الحضارة الغربية ، و ما فيها من الأزمات و النواقص و يجعلونها الأساس في نظرتهم إلى الدين ، و ربما يسعد الكثير من المؤمنين بهذه النظرة و يرونها نوعاً من الاعتراف بالدين ، و يتّخذونها لوناً من الانتصار على أعدائه ؛ إنّه انتصار المَلِك الذي حَكَم عليه أعدائه بالإعدام ، ثمّ التفتوا أنّهم بحاجة إليه كخادم لهم ، فأبقوا عليه ليخدمهم و يقضي حاجاتهم تحت المراقبة الشّديدة ، و المضايقات القاسية ، فتصوّر ذلك ، - من فُرط شعوره بالانسحاق أمام أعدائه ، - نوعاً من الانتصار و الاعتراف به من قِبَل خصومه ! !
و يمكننا أن نحصر مساوئ هذه النظرة بالنقاط التالية : -
1 . أنّ هذه النظرة من شأنها أن تلغي الدور الحضاري الأساسي للدين ، و الإبقاء على الفلسفة المادّية كما لو كانت أساساً نهائيّاً للحضارة البشرية .
2 . أنّها نظرة تجعل الدين في موقع ذيلي تابع لحضارة تناقضه في الأُسس و المنطلقات ، و تحوّله إلى حاجة من حاجات خصومه ، يستعينون به على سدّ ثغرات حضارتهم ، أنّها نظرة تجعل المَلِك خادماً لخصومه .
3 . أنّها نظرة لاتحظى بأساس ديني ، ولا تنسجم مع الدين في أبعاده المختلفة في الحياة ، و لم تتولّد في مناخ ديني ، و إنّما تولّدت في مناخ علماني ليبرالي ؛ و لذا فالاعتماد عليها يجعلنا عاجزين أمام سيل من الاستفهامات الأساسيّة ، فهل أنّ اللَّه سبحانه و تعالى عاقب قوم نوح بالطوفان من أجل أغراضٍ تكميلية كهذه ؟ و هل مثل هذه الأغراض تتناسب مع عقوبات الاستئصال و غيرها التي تعرّض لها أقوام الأنبياء عليها السلام ؟ و هل أنّ الآثار المعنوية و الحقوقية و الجزائية الدنيوية التي رتّبتها الشريعة على الكفر تتناسب مع هذه الأغراض ؟ و هل أنّ العقوبة الأخروية للكفّار - و هي الخلود في النار - تتناسب مع هذه الأغراض المذكورة للإيمان ؟
إنّ هذه العقوبات و الآثار المعنوية و الحقوقية و الجزائية المترتّبة على مسألة الإيمان و الكفر في الدنيا ، و تلك العقوبات و الآثار المترتّبة عليها في الآخرة تكشف بمجموعها عن دور أعظم لهذه المسألة في حياة الإنسان ، بحيث أصبح المؤمن مستحقّاً لزعامة الدنيا و نعيم الآخرة الأبدي ، و أصبح الكافر مستحقّاً للّعنة و العقوبة و الحرمان من حقوق الدنيا ، و للعذاب الأبدي في الآخرة .
إنّ الجائزة الكبيرة تُعطى للأعمال الكبيرة ، و الأدوار الكبيرة ، و نحن هنا في مسألة الإيمان
مرزبان وحى و خرد ( يادنامه مرحوم علامه سيد محمد حسين طباطبائي قدس سره ) ( فارسى ) — صفحة 522
مساهمون: مؤسسه بوستان كتاب قم
ص٥٢٢