والتعلّم والاستدلال - كان سبباً وعلّة للمشيئة ولابدّ من تقدّم العلّة على المعلول .
( وبمشيئته كانَتِ الإرادةُ ) أيإنّ إرادته للأشياء سببها مشيئته من غير أن يدعو لها داع أو يحوج إليها شيء .
وهكذا قوله عليه السلام : ( وبإرادته كانَ التقديرُ . . . ) .
فظهر من هذا تقدّم العلم على المشيئة وتقدّم المشيئة على الإرادة ؛ لكون كلّ منها علّة للآخر ؛ فالعلم مقدّم على جميعها .
ثمّ لمّا أوهم الكلام السابق أنّ التقدير واقع على القضاء - سواء كان متّصفاً بالإمضاء أم لا - فلا يوجد قضاء بغير تقدير ، أخبر عليه السلام أنّ التقدير لا يقع على القضاء إلّا إذا كان متّصفاً بالإمضاء ، فقال : ( والتقديرُ واقعٌ على القضاء بالإمضاء ) فالإمضاء سبب لوقوع التقدير على القضاء .
قوله عليه السلام : ( فللّه تبارك وتعالى البداءُ فيما عَلِمَ متى شاء . . . ) .
أي له البداء فيما علم أنّه سيغيّره متى شاء ، فعلى هذا كلّما بدا له شيء فلابدّ وأن يكون عالماً به قبلُ ، وأن تكون علّته منحصرةً في مشيئته ؛ لما تحقّق أنّ العلم سابق على المشيئة وعلّة لها ، وأنّ المشيئة علّة لجميع الأشياء .
ولا يخفى عليك أنّ المراد بقولنا : العلم علّة للمشيئة ، الصفةُ الذاتيّة غير المكتسبة ، لا العلم الجزئي بهذه المشيئة ؛ فتأمّل .
ثمّ لمّا كان قوله عليه السلام : « للَّه تبارك وتعالى البداء فيما علم متى شاء » شاملًا لإرادة المقدَّر المَقضيّ أو المقضيّ فقط أو غيرهما ، قال عليه السلام : ( وفيما أرادَ بتقدير « 1 » الأشياء ) فحصر الإرادة في إرادة تقدير الأشياء ، فدخلت الأخيرتين « 2 » وخرجت الأُولى ؛ لأنّ التقدير لا يكون إلّالغير المقدَّر .
هامش
( 1 ) . في الكافي المطبوع : « لتقدير » .
( 2 ) . كذا ، والصحيح : « الأخيرتان » .