لمّا كان حمل اللَّه الأشياء بمعنى إمساكها وحفظها عن التلف والزوال وهو ليس كحملنا ، أجابَه عليه السلام بأنّه يحمل العرش وغيره من السماوات والأرض وجميع ما فيهما لا غيره . وقرينة إرادة الإمساك من لفظ الحمل ما استشهد به عليه السلام ، وإلّا لم يصلح شاهداً .
ثمّ لمّا سأله السائل عن معنى قوله تعالى :
« وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ »
« 1 » لما فيه بحسب الظاهر من المنافاة ، أجابَه عليه السلام بما مضمونه أنّ بين الحمل في كلامه عليه السلام - الذي يجوز إطلاقه عليه تعالى - والحملِ في الآية اشتراك لفظيّ لا معنويّ « 2 » ؛ فإنّ الأوّل بمعنى الإمساك ، والثانيَ بمعنى التحمّل . وبَيَّنَ عليه السلام أنّ العرش المحمول هو العلم الذي هو جزء العرش ، وبَيَّنَ أنّه تعالى خلقه من أنوار أربعة ، فيكون من باب إطلاق الكلّ وإرادة الجزء ، والمجوّزُ كونُه أعلى الأفراد .
قوله عليه السلام : ( فبِعَظَمَتِه ونورِه أبْصَرَ قلوبُ المؤمنينَ . . . ) .
« قلوب » مرفوع على الفاعليّة ، أيإنّ العظمة والنور الذي هو العلم إبصارُ قلوب المؤمنين بسببه لا لتباسها به ، وأيضاً معاداة الجاهلين بسببه لخلوّهم منه ، وأيضاً بسببه ابتغى من في السماوات والأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة ؛ لأنّ حصول الابتغاء إنّما يكون بعد حصول العلم .
فقوله : « وهو العلم » بيان للنور الأبيض ، ويحتمل أن يكون المراد بالنور في قوله : « فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين » النورَ الأبيضَ الذي فسّره بالعلم ؛ وفي قوله : ( وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون ) النورَ الأصفرَ ، وفي قوله : ( وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والأرض . . . ) النورَ الأخضرَ والأحمرَ ، ليكون من ابتغى بالدين الحقّ مبتغياً بالنور الأخضر ، ومن ابتغى بالدين الباطل مبتغياً بالنور الأحمر ، فيكون النشر على ترتيب اللفّ ، بقرينة تقدّم الحقّ على الباطل ؛ واللَّه أعلم .
قوله عليه السلام : ( فكلُّ محمولٍ يحْمِلُهُ اللَّهُ . . . ) .
هامش
( 1 ) . الحاقة ( 69 ) : 17 .
( 2 ) . كذا ، والصحيح : « اشتراكاً لفظياً لا معنوياً » .