إذا تبيّن هذا ، فهو تعالى ( بَائنٌ مِنْ خَلْقِه ) ، أيمباين لهم . ف « مِنْ » جارّة متعلقة باسم الفاعل ، وهو أولى من كونه « 1 » فعلًا ؛ لدلالته على التحدّد والحدوث ، وهي ليست حادثة ، ( وبِذاكَ وَصَفَ نَفْسَه ) لقوله تعالى :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
« 2 » .
فظهر من هذا الكلام الشريف أنّه ليس المراد برابعهم وسادسهم أنّه مساوٍ لهم ، كما هو مفهوم من مثل هذا الكلام لو استعمل بالنسبة إلى المخلوق ؛ لأنّ معنى رابعُ ثلاثةٍ جاعلُ الثلاثة بنفسه أربعةً ، أيجاعل هذا الجنس - الذي أفراده ثلاثةٌ - أربعةً ، وذلك لثبوت المبانية ؛ بل المراد به الإحاطة ، فأتى عليه السلام بما هو دليل لهذا البيان ، وهو قوله تعالى :
« إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ »
« 3 » .
ثمّ لمّا كان المراد بالإحاطة غيرَ معلوم ، قال عليه السلام : ( بِالإشْرافِ وَالإحاطَةِ ) ، أيإنّ إحاطته ليست كإحاطة الأجسام بعضِها ببعض ، بل هي الإشراف والإحاطة ، أي باطّلاعه على الأشياء وعلمه بها ، وإحاطة ذلك الاطّلاع والعلم بجميع جزئيّاتها .
قوله : ( والقُدْرَةِ ) أيوبإحاطة قدرته جميع الأشياء بحيث لا يعجزه شيء .
ثمّ تلا عليه السلام قوله تعالى الدالَّ على أنّ علمه وقدرته شاملة جميع الأشياء
« لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ »
« 4 » ، أيلا يغيب ولا يذهب عنه ، بل كلّها مَحصيّة معلومة له ، ثمّ فسّر الإحصاء الدالّ عليه هذه الآيةُ الشريفة أنّه بالإحاطة والعلم لا بالذات .
ثمّ استدلّ على ذلك بقوله عليه السلام : ( لأنَّ الأماكِنَ مَحدودةٌ ) أيإنّ الأشياء كلّها
هامش
( 1 ) . أي « باين » . كأنّه قيل : العبارة هكذا : « بايَنَ مَنْ خَلَقَهُ » .
( 2 ) . الشورى ( 42 ) : 11 .
( 3 ) . فصّلت ( 41 ) : 54 .
( 4 ) . سبأ ( 34 ) : 3 .