جاز عليه تعالى التحوّل ، لزم أن يكون في موضع دون موضع ، وإذا كان كذلك لزم منه أن يلاقيه الهواء ويتكيّف عليه ؛ لأنّ الهواء جسم رقيق يتكيّف على كلّ شيء بقدره ، وكلّ شيء تكيّف الهواء عليه صار ظرفاً له ، ذلك الشيء مظروفاً مالئاً له ، والظرف له طول وعرض وعمق وكيفيّة مخصوصة ، فالمظروف أيضاً كذلك ، وكونه تعالى له كيفيّة ومثال باطل ( فكيفَ يتكيّفُ « 1 » الهواء عليه جلّ وعزّ على هذا المثال ) أي فتكيُّف الهواء عليه أيضاً باطل .
ولمّا كان تكيّف الهواء لازماً للتحوّل وهو باطل ، كان الملزوم وهو التحوّل أيضاً كذلك .
ولمّا كان يرد على هذا الدليل أنّه مع عدم التحوّل والانتقال من موضع إلى موضع لا يدلّ هذا على عدم تكيّف الهواء ، بل يحتاج إلى دليل آخر ، قال عليه السلام : « عِلْمُ ذلك عندَه . . . » ، أيإنّا نعلم قطعاً أنّه تعالى لا يجوز عليه التحوّل والانتقال ؛ لأنّه من صفات المخلوق ، ويلزم منه الاحتياج إلى غير ذلك ، ونعلم أيضاً أنّه حاضر في كلّ مكان لتساوي جميع الأشياء بالنسبة إليه تعالى .
وأمّا كيفيّة الحضور ، فعِلْم ذلك عنده ، فالإشارة ب « ذلك » إلى كيفيّة الحضور في كلّ مكان الذي كان الظاهر من كلام الراوي التصديقَ به وإرادةَ بيانه وتوضيحه ؛ لأنّ نقله ما نقل كان على سبيل الإنكار له ، وأمّا ما ذكر - من لزوم تكيّف الهواء عليه - فباطل ، وقد أشار عليه السلام إلى وجه بطلانه بقوله : ( وهو المُقَدِّرُ له . . . ) .
وتوضيحه : أنّه إذا كان من المعلوم أنّه تعالى هو المقدّر الهواء بما هو أحسن تقديراً ، فالهواء حادث ، وهو تبارك وتعالى قديم ، كانَ ولا هواء ؛ فلا لزوم .
ثمّ لمّا أرادَ عليه السلام أن يبيّن له معنى ما يجب أن يعتقد الذي كان السائل يعلمه
هامش
( 1 ) . كذا في بعض نسخ الكافي ، وفي الكافي المطبوع وبعض نسخ أُخرى للكافي « يتكنّف » . وتَكَنَّفه ، أيأحاطبه . انظر : التعليقة للداماد ، ص 307 ؛ الوافي ، ج 1 ، ص 404 ؛ الصحاح ، ج 4 ، ص 1424 ( كنف ) .