حاصل المعنى - / واللَّه أعلم - أنّكم لاتعرفوه بأنّه شخص ولانور ولا جوهر إلى غير ذلك من الأشياء المخلوقة ، أيلاتصفوه بأنّه جوهر أو جسم إلى غير ذلك ، ولا تعتقدوا أنّه كذلك ؛ فإنّ من فعل ذلك ، عرف اللَّه بخلقه ؛ لأنّ جميع هذه الأشياء حادثةٌ ممكنةٌ ، لابدّ لها من مؤثّر وخالق ، وخالقُها هو اللَّه تعالى ؛ ومن نفى عنه هذه الأشياء ، عرفه بشيء غير خلقه ، وغير خلقه هو لاسواه ؛ لأنّه خالق كلّ شيء غيره ، فيكون عرف اللَّه باللَّه .
في حديث عليّ بن عُقْبَة « 1 »
( قيل : وكيف عَرَّفَك نفسَه ) .
يحتمل أن يكون السائل سأله عن أنّ المعرفة التي حصلت له كيف هي ؟
فأجابه عليه السلام بأنّه ( لاتُشبِهُه « 2 » صورةٌ ، ولايُحَسُّ بالحواسّ . . . ) ؛ أو أنّه سأله عن التعريف كيف هو ؟ أهو كتعريف بعضنا بعضاً الأشياءَ بأن يُرِيَه ذلك الشيءَ ، أو يأمره بمسّه ، أو يسمعه الصوت ، أو يقيسه له ؟ فأجابه عليه السلام بنفي جميع هذه الأشياء عنه ، وأنّ تعليمه ليس كتعليم بعضنا بعضاً .
قوله عليه السلام : ( قَريبٌ في بُعْدِه ، بَعيدٌ في قُربِه ) .
لا « 3 » وصفه بالقرب والبعد المتضادّين ، علم أنّ قربه وبعده ليس كقربنا وبعدنا ، فمعنى قوله : « قريب في بُعْده » أنّه مع بُعْده تعالى وتنزّهه عن مشابهة الأشياء ، عِلْمُه شاملٌ لها لا يعزب عنه شيء . ومعنى قوله : « بعيدٌ في قربه » أنّه مع علمه بجميع الأشياء وإحاطته بها بعيدٌ عن وصول الأشياء إلى كنهه وعلمها به .
وهكذا قوله عليه السلام ( فوقَ كلِّ شيءٍ ، ولايقالُ : شيءٌ فوقَه ) يدلّ على أنّ صفته ليست
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 86 ، ح 2 .
( 2 ) . هكذا في المحاسن ، ص 239 ، باب جوامع من التوحيد من كتاب مصابيح الظلم ، ح 217 والتوحيد ، ص 285 ، باب أنّه عزّوجلّ لايُعرف إلّابه ، ح 2 . وفي الكافي ، المطبوع : « لا يشبهه » .
( 3 ) . كذا ، والصحيح : « لمّا » .