شرح
على زهدهم ورغبتهم فائدة ، بل ضرر ووبال . وقولهم بخلاف قولهم دليلٌ على عدم تمسّكهم بالسنّة ، فلا يكونون فقهاء إلّابمحض التسمية .
ولنذكر هنا حديثاً وَرَدَ عن الرضا عليه السلام يُناسب هذا المقام ، نسأل اللَّه العمل بمقتضاه وتوفيقه لما يحبّه ويرضاه .
ونقله في الاحتجاج :
قال عليّ بن الحسين عليه السلام : « إذا رأيتم الرجل قد حَسُنَ سَمتُه وهَدْيُه وتَماوَتَ في منطقه وتخاضَعَ في حركاته فرويداً لا يغرّكم « 1 » ، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها لضعف نيّته ومهانته وجبن قلبه ، فنصب الدين فَخّاً لها ، فهو لا يزال يَخْتِلُ الناس بظاهره ، فإن تمكّن من حرام اقتحمه ، وإذا وجدتموه يَعِفُّ عن المال الحرام فرويداً لا يغرّكم ، فإنّ شهوات الخلق مختلفة ، فما أكثر من ينبو عن المال الحرام وإن كثر ، ويحمل نفسه على شَوْهاء قبيحة ، فيأتي منها محرّماً ، فإذا وجدتموه يعفّ عن ذلك فرويداً لا يغرّكم حتّى تنظروا ما عَقَدَهُ عقلُه ، فما أكثر من تَرَكَ ذلك أجمعَ ثمّ لا يرجع إلى عقلٍ متينٍ ، فيكون ما يُفسده بجهله أكثر ممّا يُصلحه بعقله ، فإذا وجدتم عقلَه متيناً فرويداً لا يغرّكم حتّى تنظروا مع هواه يكون على عقله ، أو يكون مع عقله على هواه ، وكيف محبّته للرئاسات الباطلة وزهده فيها ، فإنّ في الناس من خسر الدنيا والآخرة بترك الدنيا للدنيا ، ويرى أنّ لذّة الرئاسة الباطلة أفضل من لذّة الأموال والنعم المباحة المحلّلة ، فيترك ذلك أجمع طلباً للرئاسة حتى« إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ »« 2 » فهو يخبط خبط عشوا ، يقوده أوّل باطل إلى أبعد غايات الخسارة ويمدّه ، وبه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في حياته ، فهو يحلّ ما حرّم اللَّه ، ويحرّم ما أحلّ اللَّه ، لا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد يتّقى من أجلها ؛ فاؤلئك الذين غضب اللَّه عليهم ولعنهم وأعدّ لهم عذاباً مهيناً .
هامش
( 1 ) . في المصدر : « لا يغرّنّكم » وكذا فيما بعد .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 206 .