شرح
وهو جاهل بذلك . وليس المراد الغفلة التي يرتفع التكليف معها ؛ واللَّه أعلم .
بقي احتمال آخر ، وهو أن يكون معنى قوله صلى الله عليه وآله : « من ترك الشبهات نجا من المحرّمات » إلى آخره : أنّ من ترك الشبهات نجا من الوقوع في المحرّمات ، فإنّ الإنسان إذا سهل على نفسه أمر الشبهات وارتكابها ترقّى منها إلى ارتكاب المحرّمات ، وهذا أمر وجداني ، فمن حام حول الحمى أوشك أن يدخله ، ومن كثر تردّده حوله دخله ، فإذا منع نفسه من الشبهات من أوّل الأمر ، كانَ منعها من المحرّمات بطريق أولى ، ومَن تعلّق بالشبهات انتهى الأمر بهإلى ارتكاب المحرّمات .
ومعنى هلاكه حينئذٍ من حيث لا يعلم : أنّ الإنسان إذا تصوّر الحرام ونحوه ممّا هو عظيم في نفسه ارتكابه من أوّل الأمر رآه أمراً عظيماً في عينه ، فلا يكاد يقدم عليه إلّابجرأة تامّة ، كمن أراد الصعود إلى مكان عالٍ بغير مرقاة ، فإذا خفض على نفسه وسلك ما هو أسهل منه وَلَجَ في ذلك ودخَل أوّلًا فأوّلًا ، كان حين وصوله إليه بعد ذلك أمراً سهلًا عليه ، فينسى أو يتناسى ذلك الأمر العظيم أوّلًا ، فيصير وصوله إليه ودخوله فيه كوصول غير العالم بحاله « 1 » ودخوله . وهذا أمر ظاهر مكشوف وجداني في مرتكبي الشبهات أوّلًا ، وانتهائهم إلى الدخول في المحرّمات ، كاتّباع أهل الدنيا والجور ومعاونيهم ، تراهم أوّلًا ينزّهون أنفسهم عمّا هو ظاهر الحرام والظلم ، وفي زمانٍ يسيرٍ يترقون إلى أسفل دركات الحرام وظلم الناس ؛ نسأل اللَّه التوفيق وحسن الخاتمة ، ونعوذ به من كلّ ما لا يرضاه .
وإذا تأمّلتَ ما ذكرناه أمكنك الجمع بين ماهنا وما روي عن أبي عبداللَّه عليه السلام من قوله : « كلّ شيء يكون فيه حرام وحلال ، فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف
هامش
( 1 ) . في « ج » : بحلاله » .