شرح
وفي الحقيقة ما يستجهل به زيادة عن أصل الجهل به . ولمّا كان الجاهل بالشيء بعيداً عن العلم به ، فالذي يريد معرفة المجهول الشرعي بالقياس يكون سلوكه لهذا الطريق إلى العلم سلوكاً لغير الطريق الموصل إليه ، فيزداد بعداً عن الحقّ ، كمن سلك طريقاً يريد به التوصّل إلى مكان بعيد عنه ، ولم يكن ما سلكه طريقاً يوصل إليه ، وكمن يريد تحصيل شيء فربما تصوّره في الجملة ، ولكن رتّب له مقدّمات كاذبة لا تنتج شيئاً من الذي تصورّه ، فيصير بعد ذلك أبعد ، بخلاف ما إذا أراد الحقّ بدليل ، فحينئذٍ يكون وصوله إليه كوصول من صحب دليلًا عارفاً بالطريق والمكان الذي يريده ، وكذا من رتّب المقدّمات الصادقة المنتجة لما تصوّره .
فإن قلت : يمكن أن يوافق قياسه الحقّ ، كما يمكن وصول قاطع مسافة إلى مكان يريده ويتّفق له ذلك من غير قصد ومعرفة بالطريق ؛ فالبعد في هذا كيف يتصوّر ، فضلًا عن ازدياده ؟
قلت : أمّا ما نحن فيه من معنى الحديث فإنّ الإنسان قبل أن يعرف وجه الحقّ في مسألة مثلًا فهو بعيد عنه من هذه الجهة ، فإذا قاس ووصل إليه في نفس الأمر وهو لا يدري أنّه الحقّ في نفس الأمر ، ولكن اعتقاده أنّه عرفه حقّاً من جهة القياس الذي لا يجوز أن يعرف الحقّ به حقّاً ، ولا يكون دليلًا على الحقّيّة ، فهو من هذه الحيثيّة أبعد عن الحقّ من الجاهل وإن وافق الواقع .
ويؤيّده ما في حديث عمر بن حنظلة الآتي من قوله عليه السلام : « وما يحكم له فإنّما يأخذ سُحتاً وإن كان حقّاً ثابتاً له ؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت » الحديث « 1 » . ولهذا كان مَن هذا شأنه أحدَ الثلاثة الذين في النار ، ولم يكن الجاهل بمثل « 2 » هذا مطلقاً
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 67 ، باب اختلاف الحديث ، ح 10 .
( 2 ) . في « ج » : « مثل » .