لا يدري أصابَ أم أخْطَأ ، لا يَحسَبُ العلمَ في شيء ممّا أنكَرَ ، ولا يَرى أنّ وراء ما بلغ فيه مذهباً ، إن قاس شيئاً بشيء لم يُكذِّبْ نظرَه ،
شرح
وكان هذا الوجه أحسنَ معنى من الفتح ، مع ما فيه من الإشعار باعتياد ذلك وتكريره ، وأنّه مع ذلك لا يتجاوز مثل ما شبّه به .
والإضافة على الفتح لاميّة ، وتحتمل البيان والوصفيّة ؛ فتأمّل . وعلى الضمّ من إضافة المصدر إلى مفعوله .
« لا يدري أصاب أم أخطأ » أي لا يدري أصاب بقوله الواقعَ أم أخطأه ، بمعنى وافقه أم لا ، وإلّا فصواب مثل هذا خطأ من حيث الإخبار به وإن وافق الحقّ ، أو أنّه لشدّة جهله وارتكابه للخطأ صار بحيث لا يدري أنّه مصيب أو مخطئ .
« لا يَحسَبُ العلمَ في شيء ممّا أنكر » أي لا يعدّه شيئاً ولا يدخله في الحساب ، بل ينكره كسائر ما أنكره . وأراد علم الاصولَيْن وغيرهما ، دون الفروع .
وروي « يَحسِبُ » بكسر السين من الحسبان وهو الظنّ ، أي لا يظنّ العلم الذي هو وراء اعتقاده فضيلة يجب اعتقادها ؛ كذا في مختصر الشرح « 1 » .
بقي احتمال لا يخلو من بُعد ، وهو أن يكون « يحسب » بمعنى يعلم ، والمعنى أنّه لا يعلم أنّ العلم في شيء ممّا أنكره ، وهذا جهل عظيم منه .
« ولا يرى أنّ وراء ما بلغ فيه مَذهباً » بمعنى لا يظنّ ذلك ، كقوله تعالى :« إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً »« 2 » ؛ أو لا يعلم . ونفي الظنّ فيهما أبلغ في الجهل .
وضمِّن « بلغ » معنى « ولج » أو « دخل » فاتي ب « في » وفائدته إفادة المذكور بالقرينة ودلالة البلوغ على انتهائه إلى أقصاه وتمكّنه من الدخول فيه .
« إن قاس شيئاً بشيء لم يُكذّبْ نظرَه » أي لم يكذّبه وإن ظهر له الخطأ فيما قاسه ، اعتماداً على أصله الفاسد ، ولئّلا يظهر غلطه .
هامش
( 1 ) . اختيار مصباح السالكين ، ص 114 .
( 2 ) . المعارج ( 70 ) : 6 .