حتّى إذا ارتوى من آجِنٍ واكْتَنَزَ من غير طائل جَلَسَ بين الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره ، وإن خالَفَ قاضياً سَبَقَه ، لم يأمَنْأن يَنقُضَ حكمَه مَن يأتي بعدَه كفِعْلِهِ بمَن كانَ قبلَه ،
شرح
« حتّى إذا ارتوى من آجنٍ » أي بكّر وحصل الكثير حتّى امتلأ ممّا هو كالماء الآجن ، وهو المتغيّر الطعم واللون والرائحة من الجهل والاعتقادات الفاسدة وما شابهها « 1 » ، كما يمتلي المرتوي من الماء ، يقال : رويتُ وارتويتُ وتروّيتُ ، كلّه بمعنى ؛ ذكره في الصحاح « 2 » .
« واكتنز من غير طائل » .
في القاموس : « اكتنز » : اجتمع وامتلأ « 3 » . فالمعنى أنّه امتلأ من هذا الشيء الذي لا طائل تحته ، أو أنّه حصّل وجمع وأحرز ما هو عنده بحسب اعتقاده الفاسد كالكنز من غير أن يكون إحرازه وجمعه لشيء ينتفع به ، أو من غير أن يكون أصله ممّا يُشابه ما يكتنز ، أو من غير أن يترتّب عليه نفع كما يترتّب على المال المكتنز ؛ بل ضرر .
« ضامناً لتخليص ما التبس على غيره » .
وجه ضمانه أنّه لم يكن فعله وتحصيله مأخوذين عن أصل ليكون حجّة وسنداً ، بل لمجرّد الشهرة وإظهار الفضيلة بين الناس ليعتقدوه ويروّجوا حاله ، ولم يكن أساسه على تقوى ، ومن كانت هذه حاله كان ضامناً للجواب عن كلّ ما يسأل عنه ويرد عليه ، فإنّ المانع حينئذٍ من التحرّز والتثبّت مفقود ، والمقتضي للجرأة والضمان موجود ، وجوابه ب « لا أدري » ونحوه ينافي مطلبه ، فيجترأ على الشيء الذي التبس على غيره ولم يعرف وجهه ، وتركه خوفاً من اللَّه أو نحو ذلك ، وغير ما التبس ظاهر جرأته عليه .
« وإن خالف قاضياً سَبَقَه ، لم يأمن أن يَنقُضَ حكمَه مَن يأتي بعدَه » .
هامش
( 1 ) . في « ج » : « شابههما » .
( 2 ) . الصحاح ، ج 6 ، ص 2364 ( روى ) .
( 3 ) . القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 189 ( كنز ) .