إنّما بَدْءُ وقوع الفتن أهواءٌ تُتَّبَعُ ، وأحكام تُبْتَدَعُ ، يُخالَفُ فيها كتابُ اللَّه ، يتولّى فيها رجالٌ رجالًا ، فلو أنّ الباطلَ خَلَصَ لم يَخْفَ على ذي حِجى ، ولو أنَّ الحقَّ خَلَصَ لم يكن اختلافٌ ، ولكن يُؤخَذُ من هذا ضِغثٌ ومن هذا ضِغثٌ فيُمزَجان فيجيئان معاً ، فهُنالِك استَحْوَذَ الشيطانُ على أوليائه ، ونجا الذين سبَقَتْ لهم من اللَّه الحُسنى » .
شرح
ذي حِجًى ، ولو أنّ الحقّ خلَص لم يكن اختلافٌ ، ولكن يُؤخَذُ من هذا ضِغْثٌ ومن هذا ضِغْثٌ فيُمزَجانِ فَيَجِيئانِ معاً ، فهُنالِك اسْتَحْوَذَ الشيطانُ على أوليائه ، ونجا الذين سَبَقَتْ لهم من اللَّهِ الحُسنى ) .
لمّا كان كتاب اللَّه وسنّة نبيّه صلى الله عليه وآله - التي هي مطابقة للكتاب ومبيّنة له - يقوم بهما نظام العالم على وجه واحد من غير اختلاف وتشتّت ، وباتّباعهما يكون الحقّ واحداً والطريقة واحدة ، فلا يقع باتّباعهما فتنة ولا اختلاف في شيء من الأصول والعقائد وغيرهما كانت مخالفة ذلك ، واتّباع الآراء والأهواء هو الداعي إلى وقوع الفتن ومنه ابتداؤها ، فلو اتّبع الناس الكتاب ، ورجعوا فيما لم يعلموا منه إلى من يعلمه ، وتركوا أهواءهم وآراءهم المقتضية لمجرّد اتّباعها ، أو حمل ما في الكتاب على ما يوافقها من غير علم بما في الكتاب أو تجاهل فيما علموه منه ، لم يقع ذلك ، وإذا نشأ من ذي رأي فاسد بدعة تابعة عليها رجال وكذا « 1 » صاحب الرأي الآخر وهكذا ، ووقع الخلاف والفتنة لحبّ كلّ تشييد ما ذهب إليه وترويجه .
فأصل تشعّب المذاهب والاعتقادات الرأيُ والهوى ، وكذلك الأحكام .
وما في الأحكام من الاختلاف الباقي بسبب ما داخَلَه أوّلًا من التقيّة ، وإدخال ما ليس من أحكام الكتاب فيها من غير أهلها ونسبتها إليهم ، ونحو ذلك ، وإلّا فحكمهم عليهم السلام واحدٌ ، ولكنّ الاختلاف لاختلاف ما نقل عنهم . وهذا فيما لا وجه
هامش
( 1 ) . في « ألف ، ب » : « كذلك » .