شرح
الثانية - وهي مترتّبة على الأولى - أنّه إذا مات العالم ولم يأخذ الناس عنه العلم ، ذَهَبَ معه علمه ، وهو كناية عن عدم وجوده إذا لم يأخذوا عنه العلم ، فإذا أخذوا عنه وتعلّموه ، لم يذهب العلم الذي يحتاج إليه بذهابه ، بل ذهب وأبقى عندهم العلم المحتاج إليه ، وإذا ذهب العلم بذهابه ، تصدّى له من لا عِلْمَ له ، فضَلَّ عن سبيل الهدى ، وارتكب طريق الغواية والعمى ، ولَفَّقَ حشواً من رأيه يُجيب به مَن سَألَه لئلّا ينسب إلى الجهل ؛ فضَلَّ في نفسه وأضَلَّ غيره ؛ فهذا هو الجافي القاطع لصلة الرحم الإسلاميّة ، وسمّى نفسه مجتهداً يرجع إليه ونحوه .
ولا تظنّنّ بعلماء أهل الحقّ شيئاً من هذا ، فإنّهم لا يقولون بشيء إلّاأن يكون أصله مأخوذاً من كلامه تعالى أو من قول معصوم ، واختلافهم لاختلاف ما وَصَلَ إليهم بحسب الظاهر وتفاوت أفهامهم .
ولا حرج في تسمية ما أدّى إليه سعيهم اجتهاداً ، بل الاجتهاد الذي لا أصل له إلّا الرأي والقياس والاستحسان واتّباع الهوى ، هو الممنوع منه والمذموم في الأحاديث . وقد صرّح جمع من علمائنا - رضوان اللَّه عليهم - بنحو هذا ، وسيأتي إن شاءاللَّه طرفٌ منه ، ومع ذلك فقد يقع الخطأ ؛ لأنّهم غير معصومين .
وكثيراً مّا ينبّه على مثله جدّي المرحوم السعيد الشهيد الثاني ، وجدّي المحقّق الشيخ حسن - طاب ثراهما - وغيرهما ، ومثل هذا كان من المتقدّمين ، لكنّه قليل ، والخلاف واقع بينهم ، وبسبب كثرة الأحاديث لديهم وقرب عهدهم قَلَّتْ فروعهم وفروع كثيرة ترجع إلى قاعدة أو أصل معتمد أيّحرج فيه ؟ وقد تقدّم نحو هذا ، وتكراره لتكرار التشنيع عليهم في مثل هذه المقامات من الجاهل بحالهم وحال علمهم ؛ واللَّه تعالى أعلم .
الثالث : نبّه بقوله عليه السلام : « ولا خير في شيء ليس له أصل » على أنّ علم الجفاة الذين صاروا ولاةً لهم - أي للناس الذين يرجع إليهم ضمير « تليهم » المدلول عليهم بالمقام ،