يا هشام ، إنّ العاقلَ لا يَكْذِبُ وإن كانَ فيه هواه .
يا هشام ، لا دينَ لمن لا مروءةَ له ، ولا مروءة لمن لا عقلَ له ، وإنّ أعظمَ الناسِ قدْراً الذي لا يَرى الدنيا لنفسه خطراً ، أما إنَّ أبدانَكُم ليس لها ثمنٌ إلّاالجنّةُ ، فلا تَبيعوها بغيرها .
شرح
قوله عليه السلام فيه : ( لا دينَ لمن لا مروّةَ له ، ولا مروّةَ لمن لا عَقلَ له ) .
إن أريد بالمروّة ما يتحقّق به أصل الدين ، فنفي الدين بنفي المروّة ظاهرٌ ، وإلّا فالمراد نفي الكمال . ومن لم يعمل بعقله ، فقد سلب المروّة كما سلب غيرها إن لم يعمل أصلًا ، وإلّا فبما يقتضي سلب المروّة ؛ واللَّه أعلم .
قوله عليه السلام فيه : ( وإنّ أعظمَ الناسِ قَدْراً الذي لا يَرَى الدنيا لنفسه خَطَراً ) .
« الخطر » : الحظّ والنصيب ؛ عن النهاية . « 1 » وفي الصحاح : خطرُ الرجل : قدرُه ومنزلتُه والسَبَق الذي يتراهن عليه . « 2 »
والمعنى هنا - واللَّه أعلم - أنّ أعظم الناس قَدْراً عنداللَّه من لا يرى الدنيا عوضاً لنفسه ، فإنّ من اختار الدنيا على الآخرة ، فقد باعَ نفسه بالدنيا ورضي بها عوضاً عن نفسه وثمناً لها ؛ أو من لا يرى كلّ الدنيا ثمناً لنفسه ، على احتمال .
قوله عليه السلام فيه : ( أما إنّ أبدانَكُم ليس لها ثمنٌ إلّاالجنّةُ ، فلا تَبيعوها بغيرِها ) .
أي ثمن الأبدان الذي ينبغي للعاقل أن يبيعها به إنّما هو الجنّة ، فإنّ اللَّه سبحانه خَلَقَ عبادَه ليكونوا من أهلها بشرط طاعتهم ، وأعطاهم القدرة على تحصيل ذلك ، فمن باعَ بدنه بغيرها كانَ سفيهاً مغبوناً ببيعه بغير الثمن . وقوله تعالى :« إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ »« 3 » من هذا القبيل ؛ واللَّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) . النهاية ، ج 2 ، ص 46 ( خطر ) .
( 2 ) . الصحاح ، ج 2 ، ص 309 ( خطر ) .
( 3 ) . التوبة ( 9 ) : 111 .