والتواضعُ أحبُّ إليه من الشَرَف ، يستكثرُ قليلَ المعروفِ من غيره ، ويستقلُّ كثيرَ المعروفِ من نفسه ، ويرى الناسَ كلَّهم خيراً منه ، وأنّه شرُّهم في نفسه ، وهو تمامُ الأمرِ .
شرح
أي يكون تحصيل الرشد والخير منه مأمولًا .
« وفضل ماله مبذولٌ » أي الزائد عن قدر كفايته وما يحتاج إليه .
وفيه دلالة على أنّ الذي يبذل غير الفضل لا يكون تامّ العقل ، وكذا من يقول قولًا زائداً عمّا يحتاج إليه ويقتضيه المقام والعقل .
قوله عليه السلام فيه : ( والتواضعُ أحَبُّ إليه من الشرف ) .
المراد من الشرف هنا الرفعة التي يُنافيها التواضع عند صاحبها أو الناس ؛ واللَّه أعلم .
قوله عليه السلام فيه : ( ويَرَى الناسَ كُلَّهم خيراً منه ، وأنّه شَرُّهم في نفسِه ، وهو تَمامُ الأمرِ ) .
الظاهر أنّ المراد بالناس هنا المؤمنون ، فإنّ غيرهم ليسوا من الناس الذين يدخلون في هذا المقام . وهذا كما يسمّى بالعقلاء العاملون بعقلهم ، وغيرهم يسلب عنهم هذا الاسم وإن كان لهم عقل ، بل لا يسلب في مقام الذمّ إلّاعن ذوي العقول ، ويمكن دخول من يجهل حاله .
وأمّا نحو الكفّار فلا يناسب إدخالهم في الناس هنا ، إلّاأن يُراد بالشرّ والخير ما يشمل ما لا يتعلّق بالعقائد ونحوها ممّا يمكن اشتراك المؤمن وغيره فيه ؛ فيحتمل بعيداً إدخالهم في العموم ، أو باعتبار الخاتمة وأنّ كلّ أحد يراه يقول : ربما يكون خاتمته أحسن من خاتمتي ، فإنّ الكافر ونحوه يمكن رجوعهما « 1 » إلى الحقّ وحسن الخاتمة ، ويمكن فيه العكس .
ذكر مضمون هذا الوجه الغزالي في الإحياء « 2 » ؛ واللَّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) . في « ج » : « رجوعهم » .
( 2 ) . راجع : إحياء علوم الدين ، ج 3 ، ص 384 .