وسرُّهُ لعلانيته موافقاً ؛ لأنّ اللَّهَ - تبارك اسمه - لم يَدُلَّ على الباطن الخفيّ من العقل إلّا بظاهرٍ منه ، وناطقٍ عنه .
يا هشام ، كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول : ما عُبِدَ اللَّهُ بشيء أفضلَ من العقل ،
شرح
للآخر ، وإذا وافقه ، كانَ كلّ منهما مصدّقاً للآخر ؛ أو أنّ « مصدّقاً » مبنيّ للمفعول مع اللام ، كما تقول : زيدٌ مضروبٌ لعمرو . وفيه تأمّل ؛ واللَّه تعالى أعلم .
قوله عليه السلام فيه : ( لأنّ اللَّهَ - تبارَكَ اسْمُه - لم يَدُلَّ على الباطنِ الخَفِيِّ من العقلِ إلّابظاهرٍ منه وناطقٍ عنه ) .
يمكن أن يكون هذا تعليلًا لموافقة السرّ والعلانية ، فإنّه لولا العلانية لم يظهر أثر العقل الباطني ، فإذا وافَقَ الظاهر الباطن ، كانَ الظاهر دالّاً على الخفيّ من العمل بمقتضى العقل ، ومتى خالَفَ الظاهر الباطن ، لم يكُنْ ذلك صادراً عن العقل . وليس هذا للدلالةعلى معرفة العاقل منغيره فقط ، ليقال : إنّه قد لا يطّلع على ذلك ؛ بل هو تعليم للإنسان كيف يجب عليه أن يعمل بعقله ، وكيف يعلم أنّه عامل أو غير عامل .
وقد يستدلّ غيره عليه بذلك ، فإنّه قد يظهر للغير الموافقة أو المخالفة بالاختيار .
ويمكن أن يكون التعليل لتصديق القول والفعل ، وموافقة السرّ والعلانية .
وهذا أظهر وأنسب بالسياق ، فبتصديق القول للفعل يظهر أثر العقل الباطني له ولغيره ، وكذا بموافقة السرّ للعلانية . وهذا غير الوجه الأوّل ؛ فتدبّر .
قوله عليه السلام فيه : ( كان أميرُالمؤمنين عليه السلام يقولُ : « ما عُبِدَ اللَّه بشيء أفضَلَ من العقلِ ، وما تَمَّ عَقل امرئٍ حتّى يكونَ فيه خِصالٌ شَتّى ) .
أي ما عُبِدَ اللَّه بشيء من العبادات أفضل من عبادته بعقل الأشياء والعمل بمقتضى العقل فيها ، فإنّ هذه العبادة أفضل من غيرها ، وإن كان الغير مأخوذاً عن العقل ، فأصل عقلها أفضل منها . فهو بمعنى أفضليّة العالم على العابد .
ويحتمل أن يكون المعنى ما عُبِدَ اللَّه بشيء أفضل من عبادة ناشئة عن العقل ؛