يا هشام ، إنّ اللَّهَ حكى عن قومٍ صالحينَ أنّهم قالوا :
« رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ »
حين علموا أنّ القلوبَ تَزيغُ وتَعودُ إلى عماها ورَداها .
إنَّه لم يَخَفِ اللَّهَ مَنْ لم يَعْقِلْ عن اللَّه ، ومن لم يَعْقِلْ عن اللَّه لم يَعْقِدْ قلبَه على معرفةٍ
شرح
فإنّ المراد « 1 » - واللَّه أعلم - أنّه لا يصل إلى مرتبة تكون نفسه غنيّة عن طلب ما فوقها ، بخلاف القانع ، فإنّه غنيّ وإن كان فقيراً .
قوله عليه السلام فيه : ( إنّ اللَّه حَكى عن قومٍ صالحينَ أنّهم قالوا :« رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ »« 2 » حين عَلِموا أنّ القلوبَ تَزيغُ وتَعود إلى عَماها ورَداها ) .
عودها إلى عماها ظاهرٌ فيمن كان زائغاً ثمّ اهتدى ، وغيره يمكن أن يكون باعتبار أنّ الإنسان بحسب طبعه يميل إلى الشهوات وما فيه فساده ؛ فكذا قلبه ؛ فإذا زاغت القلوب ، فقد عادَتْ إلى مقتضى طبعها وميلها وهواها ؛ أو أنّ الزيغ راجع إلى قسم منها ، والعود إلى آخَرَ .
ويمكن عدم اعتبار معنى العود الأصلي كالرجوع ، فيقال : رجع إلى كذا وإن لم يسبق له كون به ونحوه .
وإسناد الزيغ إلى اللَّه سبحانه كإسناد الخذلان والإضلال إليه ، وقد تقدّم بيان معناهما ؛ واللَّه أعلم .
قوله عليه السلام فيه : ( إنّه لم يَخَفِ اللَّهَ مَن لم يَعْقِلْ عن اللَّه ، ومَن لم يَعقِلْ عن اللَّه لم يَعقِدْ قلبَه على معرفةٍ ثابتةٍ يُبْصِرُها ويَجِدُ حقيقتَها في قلبه ) .
وجه كون هذا غير خائف من جهة أنّه بعد دلالة العقل له على الأنبياء ونحوهم
هامش
( 1 ) . في « ج » : « فالمراد » .
( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 8 .