ص 18
يا هشام ، إنَّ العقلاءَ تَرَكوا فضولَ الدنيا ، فكيف الذنوب ، وتَرْكُ الدنيا من الفَضْلِ ، وتَرْكُ الذنوبِ من الفَرْضِ .
يا هشام ، إنَّ العاقلَ نَظَرَ إلى الدنيا وإلى أهلِها ، فعَلِمَ أنَّها لا تُنالُ إلّابالمشقّة ، ونَظَرَ إلى الآخرة ، فَعَلِمَ أنّها لا تُنالُ إلّابالمشقّة ، فطَلَبَ بالمشقّة أبقاهما .
يا هشام ، إنَّ العقلاءَ زَهِدوا في الدنيا ورَغِبوا في الآخرة ؛ لأنّهم عَلِموا أنّ الدنيا طالِبةٌ ومطلوبَةٌ ، والآخِرَةَ طالبةٌ ومطلوبةٌ ، فمن طَلَبَ الآخرة ، طَلَبَتْه الدنيا حتّى يَستَوفيَ منها رزقَه ، ومن طَلَبَ الدنيا طَلَبَتْه الآخرةُ ، فيأتيه الموتُ ، فيُفْسِدُ عليه دنياهُ وآخرتَهُ .
شرح
قوله عليه السلام فيه : ( إنّ العقلاءَ تَرَكوا فضولَ الدنيا ، فكيف الذنوبَ ) .
المراد منه - واللَّه أعلم - بفضول الدنيا مباحاتها الزائدة عمّا يحتاج إليه ، أو ما يعمّ المكروه ، ومن تبع عقله في ترك ذلك فتركه للذنوب بطريق أولى .
قوله عليه السلام فيه : ( يا هشام ، إنّ العُقلاءَ زَهِدوا في الدنيا ورَغِبوا في الآخرة ؛ لأنّهم عَلِموا أنّ الدنيا طالبةٌ و « 1 » مطلوبةٌ ، والآخرة طالبةٌ ومطلوبةٌ ، فمَن طَلَبَ الآخرةَ طَلَبَتْه الدنيا حتّى يَستوفِيَ منها رزقَه ، ومن طَلَبَ الدنيا طَلَبَتْه الآخرةُ ، فيأتيه الموتُ ، فيُفْسِدُ عليه دنياه وآخرتَه ) .
معناه - واللَّه أعلم - أنّ علّة زهد العقلاء في الدنيا أنّهم علموا أنّ الدنيا طالبةٌ للإنسان أن يكون فيها حريصاً عليها إلى انقضاء أجله ، ومطلوبةٌ له كذلك ، فإذا انقضى الأجل بطل الطلب من الجانبين ، والآخرة طالبةٌ للإنسان أن يعمل لها في الدنيا عملًا يوصله إلى نعيمها الدائم ، ومطلوبةٌ للإنسان بأن يكون متنعّماً فيها كذلك ؛ فمن طلب الآخرة وأراد الوصول إليها ، فعمل بما يوصله في الدنيا ، كانت الدنيا طالبة له وطامعة فيه بأن يحرص عليها وينقاد إليها إلى أن يستوفي رزقه منها الذي كتبه اللَّه له ، سواء حرص عليها وطلبها أم لا ، ويحضر أجله ، وعند ذلك ينقطع
هامش
( 1 ) . في « ألف وب » وكثير من نسخ الكافي : - / « و » .