يا هشام ، نُصِبَ الحقُّ لطاعة اللَّه ، ولا نَجاةَ إلّابالطاعة ، والطاعةُ بالعلم ، والعلمُ بالتعلّم ، والتعلُّمُ بالعقل يُعْتَقَدُ ، ولا عِلْمَ إلّامن عالِمٍ ربّانيٍّ ، ومعرفةُ العلمِ بالعقلِ .
شرح
المراد به - واللَّه أعلم - الوحدة والانفراد عن أهل الدنيا ؛ بدليل قوله عليه السلام بعده :
( فمَن عَقَلَ عن اللَّه اعتزلَ أهلَ الدنيا والراغبينَ فيها ، ورَغِبَ فيما عنداللَّه ) وأمّا مخالطة غير أهل الدنيا ، فهو آنس باللَّه وبهم .
( وكان اللَّهُ أُنْسَه في الوحشةِ ) . أي فيما يستوحش فيه المنفرد الذي يأنس بغير اللَّه تعالى .
ويحتمل أن تكون « في » بمعنى « على » كقوله تعالى :« فِي جُذُوعِ النَّخْلِ »« 1 » .
وضمّن الانس معنى المساعدة والتسلّط ونحوهما ، وذكره لإفادته مع ذلك الانسَ ونحوه .
( وصاحِبَه في الوحدة ، وغِناه في العَيْلَة ) بفتح المهملة ، أي الفاقة .
وانسه وغناه بمعنى مونسه ومغنيه ، وباب رجل عدل لا يجترأ بمثله هنا ، اللهمّ إلّا بتأويل .
قوله عليه السلام فيه : ( والطاعةُ بالعلم ، والعلمُ بالتعلّم ، والتعلّمُ بالعقل يُعتقلُ ) .
معناه - واللَّه أعلم - أنّ الطاعة تكون بالعلم الذي هو العلم الحقيقي ، والعلم يحصل بالتعلّم من أهل العلم . والتعلّم بالعقل يعتقل إمّا بمعنى يتعقّل ، أو بمعنى يحفظ ويحبس عن أن يداخله غيره أو يضبط على وجهه ، وهو أكثر استعمالًا من الأوّل .
قوله عليه السلام فيه : ( ولا عِلْمُ إلّامن عالمٍ رَبّانيٍّ ، ومعرفةُ العلمِ بالعقلِ ) .
في هذا وما قبله دلالة على أنّ العلوم الخارجة عمّا هو مستند إلى الأنبياء والأئمّة عليهم السلام المستندة إليه تعالى ، وما يتوقّف « 2 » عليه ممّا لا يستلزم تضييعها أو التقصير فيها ، ليست علماً ينتفع به ، بل فيه دلالة على النهي عنها .
هامش
( 1 ) . طه ( 20 ) : 71 .
( 2 ) . في « ألف ، ب » : نتوقّف » .