يا هشام ، إنّ العاقلَ الذي لا يَشْغَلُ الحلالُ شكرَه ، ولا يَغْلِبُ الحرامُ صبرَه .
ص 17
يا هشام ، مَن سلّطَ ثلاثاً على ثلاثٍ فكأنّما أعانَ على هَدْم عقله : من أظلم نورَ تفكّره بطول أمله ، ومحا طرائفَ حكمته بفضول كلامه ، وأطفأ نورَ عِبْرته بشهوات نفسه ، فكأنّما
شرح
وهو كما ترى .
ورفع الدرجة في الآخرة ظاهرٌ ، وفي الدنيا ؛ باعتبار أنّه بكمال العقل يحصل تمام المداراة وحسن المعاشرة اللَذيْن يرفع اللَّه بهما درجته في الدنيا ؛ أو أنّ اللَّه يرفع درجته بذلك ونحوه .
ولعلّ الأولى أن يُراد أنّ درجته عنده تعالى في الدنيا والآخرة مرفوعة ، بمعنى شأنه وقرب منزلته ، والدرجة تشعر بذلك ؛ ولا عبره بالناس . وأن يراد بالناس على الأوّل الذين هم الناس الذين تعتبر الرفعة عندهم ؛ واللَّه تعالى أعلم .
قوله عليه السلام فيه : ( يا هشام ، إنّ العاقلَ الذي لا يَشْغَلُ الحلالُ شكرَه ، ولا يَغْلِبُ الحرامُ صبرَه ) .
أي لا يشغله الرزق الحلال ونحوه وإن كَثُرَ عن شكره تعالى ؛ لأنّ متابعة العقل تدلّه دائماً على مُنعِمِه ورازقه ووجوب شكره ، فلا يشتغل بما آتاه اللَّه عن شكره ، ولا يكون الحرام ، غالباً على صبره ، بل يغلب صبره الحرام ؛ لأنّ متابعة العقل زاجرة له عن ارتكاب الحرام وباعثة له على ملازمة الصبر .
قوله عليه السلام فيه : ( مَنْ أظْلَمَ نورَ تفكّرِه بطول أمَلِهِ ) .
في القاموس : أظْلَمَ وظَلِمَ كسَمِعَ « 1 » . فإن كان المراد مع الوزن التعدّي في أظلم أيضاً كظلم أو سمع ، تعدّى أظلم احتمله هنا ، وإلّا فيمكن تضمينه معنى فعلٍ متعدّ كغطّى وستر وأذهب ونحوهما .
هامش
( 1 ) . القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 147 ( ظلم ) .