يا هشام ، ما بعث اللَّه أنبياءَه ورسلَه إلى عبادِه إلّاليعْقِلوا عن اللَّه ، فأحْسَنُهم استجابةً أحْسَنُهم معرفةً ، وأعلَمُهم بأمر اللَّه أحسنهم عقلًا ، وأكْمَلُهم عقلًا أرْفَعُهم درجةً في الدنيا والآخرة .
يا هشام ، إنّ للَّهعلى الناس حُجّتينِ : حُجّةً ظاهرةً ، وحُجّةً باطنةً ، فأمّا الظاهرةُ فالرُّسُلُ والأنبياء والأئمّةُ عليهم السلام ، وأمّا الباطنةُ فالعقولُ .
شرح
لا شبهة في أنّ عقل الأشياء إنّما يكون بالتفكّر ليظهر به صحيحها من فاسدها . وتعقّلُ شيء بغير إعمال الفكر والتأمّل فيه لا يحصل إلّااتّفاقاً نادراً ، ومثله لا يعتدّ به .
« ودليل التفكّر الصمت » لأنٍّ مع عدم الصمت لا يتمّ التفكّر على الوجه الذي يراد ، ومعه يكون دليلًا غير معتبر الدلالة ، فيكون غالباً دليلًا يوصل إلى خلاف المطلوب والمعتبر الموصل إليه لا ما يُحتمل ذلك .
« ومطيّة العقل التواضع » لأنّ به يُستعان على إعمال العقل فيما يريده ، كما يُستعان بالمطيّة على قطع المسافة ، ومع التواضع يكون العقل مستعلياً ومسلّطاً على ما يريد ، فهو كراكب المطيّة بخلافه مع عدم التواضع ، فإنّه لا يكون كذلك ، بل يكون التكبّر عالياً عليه وقاهراً له ، فلا يكون مطيّة له .
« وكفى بك جهلًا أن تركب ما نُهيتَ عنه » أي أن تجعل مركوبك ما نهيت عن ركوبه وجعله مطيّة ، فإنّه حينئذٍ كالدابّة الصعبة التي قد تهلك صاحبها وتدقّ عنقه .
ولم يعبّر هذا بالمطيّة لأنّها تشعر بالانقياد والطاعة له ؛ واللَّه أعلم .
قوله عليه السلام فيه : ( ما بَعثَ اللَّه أنبياءه ورُسُلَه إلى عباده إلّاليعْقِلوا عن اللَّه . . . ) .
فيه دلالةً على أنّ معرفة الأشياء التي يؤمر بها المكلّف لا يكفي في جميعها العقل المأخوذ عن اللَّه ، بل مادلّت عليه الأنبياء والرسل بمساعدة العقل واستعماله فيما يستعمل فيه ؛ فأحسنهم استجابةً وانقياداً للأنبياء والرسل أحسنُهم معرفةً للَّه .