شرح
تعالى :« قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ »« 1 » ؛« قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ »« 2 » ؛« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ »« 3 » ومنكر ذلك منكر لكمال قدرته تعالى .
والإقبال والإدبار بمعنى الذهاب والإياب لتمام امتثال الأمر ، كما أنّ من أراد اختبار طاعة عبده مثلًا ، فيقول له : اذهب ، ثمّ يقول له : ارجع ، فإنّ « 4 » به يظهر الانقياد والطاعة ولزوم الحجّة في مثل أمره تعالى ، وقد يكون ذلك في أمر غيره .
ولا بُعد في وصف العقل بالإقبال والإدبار « 5 » والذهاب والإياب ، وكذا ما أشبهه من الحواسّ والفكر والنفس ، فإنّ هذه الأشياء تذهب وتجيء وتفارق على وجه يناسب نسبته إليها ، ولا ينحصر ذلك فيما يعهد من إقبال نحو الإنسان بوجهه وحركته نحو الأمر « 6 » وإدباره كذلك عنه ، فإنّ لكلّ مقام مقالًا .
وفي حديث العقل وجنوده أنّه أوّل خلق من الروحانيين « 7 » ، فلا بُعد في أن يجعله اللَّه تعالى على حالة يتّصف بها بالإقبال والإدبار بالمعنى المتعارف ، ويكون مأموراً بالإقبال والإدبار إلى جهةٍ أُمِرَ بالإقبال والإدبار إليها وعنها ، فإنّه لا دليل في الحديث على أنّ أمره ، بل ولا خلقه قبل خلق المكان ، وقد أعطى اللَّه الملائكة والجنّ قدرة التشكّل بأشكال بني آدم وغيرهم ، فأيّ مانع من كون العقل كذلك ولو في حالة الأمر بالإقبال والإدبار ، ولكن هذا غير محتاج إليه بعد ملاحظة ما تقدّم .
وإكماله تعالى العقل إمّا بمعنى أنّه تعالى إذا رأى من عبد طاعةً وانقياداً ، وكان قد أعطاه شيئاً من العقل ، تَفَضَّلَ عليه بحصّة أخرى ليعمل بها ، كما عمل بما قسم اللَّه
هامش
( 1 ) . فصّلت ( 41 ) : 21 :« وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ».
( 2 ) . فصّلت : ( 41 ) : 11 :« فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ».
( 3 ) . الإسراء ( 17 ) : 44 :« تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ».
( 4 ) . في « ألف ، ب » : فإنّه » .
( 5 ) . في « د » : « بالإدبار والإقبال » .
( 6 ) . في « ألف » : « الآمر » .
( 7 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 20 ، كتاب العقل والجهل ، ح 14 .