ص 7
وإذا كان جاهلًا لم يكن على ثقة ممّا أدَّى ، ولا مصدّقاً ؛ لأنَّ المصدِّقَ لا يكونُ مصدِّقاً حتّى يكونَ عارفاً بما صدَّقَ به من غير شكّ ولا شُبْهة ؛ لأنّ الشاكَّ لا يكونُ له من الرغبة والرهبة والخضوع والتقرُّب مثلُ ما يكونُ من العالم المستيقِن ، وقد قالَ اللَّه عزَّ وجلَّ :
« إِلَّا مَنْ شَهِدَ
شرح
بباله أن يفعله - لا يترجّح على غيره إلّابترجيح رأيه واستحسانه ونحوه ، وذلك لا يقتضي كونه الذي ينبغي أن يؤدّى ، بل ربما كان المراد منه غيره ؛ من حيث خفاء وجه كثير من الأحكام عن العقول .
ولهذا أمرنا بمخالفة ما وافَقَ العامّة ؛ حيث إنّ فعلهم مستندٌ إلى رأيهم « 1 » ، وما هذا حكمه فالرشاد في مخالفته ، ومخالفته تدلّ على أنّ ما يكون عن الرأي غير حكم اللَّه تعالى ، وإن اتّفق موافقته فهو غيره ؛ من حيث إنّه غير مأخوذ عن أهل حكم اللَّه ، فلا يكون حكماً للَّهمن حيث إنّه حكم اللَّه .
والأمر بالمخالفة قد يدلّ على أنّه لا يكون حكم اللَّه مع وجود ما يخالفه ، وأنّه لا يكون حينئذٍ موافقاً أصلًا ، وكذلك لا يدري إلى مَن يؤدّي ؛ لأنّ الذي يجب أن يؤدّى له هو اللَّه تعالى ، وينبغي أن يؤدّى له ما يقبله ويأمر به ، وإذا لم يعلم ذلك على وجهه لا يدري أنّ هذا للَّهفيؤدّيه إليه ، أو لغيره فيؤدّيه له ، فيتحيّر في ذلك .
قوله : ( وإذا كانَ جاهلًا . . . ) .
يمكن أن يكون هذا راجعاً إلى الأوّل ، على أن يكون المراد بالأوّل جُهّال أصحاب الرأي ونحوهم . ويحتمل أن يكون قسماً آخر ، وهو من يكون تأديته لا عن رأي ، بل عن جهل غير ذلك الجهل ، بمعنى تأديته على أيّ وجه اتّفق ، فإنّ الأوّل قد يكون باعتقاده غير شاكّ ، وهذا شاكّ فيما يأتي به هل هو مطيع فيه وموافق للصواب ، أم لا ؟
هامش
( 1 ) . في « ألف » : « آرائهم » .