فأحقّ ما اقْتَبَسَه العاقلُ ، وَالْتَمَسَه المتدبِّرُ الفطنُ ، وسعى له الموفَّقُ المصيبُ ، العلمُ بالدين ، ومعرفةُ ما استعبدَ اللَّهُ به خَلْقَه من توحيده ، وشرائعِه وأحكامِه ، وأمرِه ونهيه ، وزواجِرِه وآدابِه ؛ إذ كانت الحجّةُ ثابتةً ، والتكليفُ لازماً ، والعمرُ يسيراً ، والتسويفُ غيرَ مقبولٍ . والشرطُ مِن اللَّه - جلّ ذكره - فيما استعبد به خلقَه أن يُؤدّوا جميعَ فرائضه بعلم ويقينٍ وبصيرةٍ ؛ ليكونَ المؤدِّي لها محموداً عند ربِّه ، مُستوجِباً لثوابهِ وعظيمِ جزائه ؛
شرح
ذلك ، وَجَبَ على اللَّه تعالى من لطفه أن ينصب للمكلّف بعد اعطائه الصحّة والآلة - التي هي العقل - مؤدِّباً ومشيراً وآمراً وناهياً وأدباً يؤدّب به ، ووَجَبَ على المكلّف المسألة والتأدّب ، فيجب عليه الفحص عن ذلك ، وأخذه عمّن نَصَبَه اللَّه له ؛ فيكون على بصيرة ويقين ممّا هو مأمور بالأخذ به وعنه . والأخذ عن غيره أخذٌ للشيء من غير موضعه ، فهو جهل وضلال ، فيجب على العاقل الصحيح تدبّر ذلك ، وأخذه من عين صافية .
قوله : ( والشرطُ مِنَ اللَّهِ - جلَّ ذِكْرُه - فيما استعبَدَ به خَلْقَه أن يُؤدّوا جميعَ فرائضِه بعِلْمٍ ويقينٍ وبصيرةٍ ) .
يحتمل أن يكون المراد بالعلم العلمَ العادي الشامل للظنّ القويّ « 1 » ؛ لما علم أنّه في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله كان العمل بالظنّ كثيراً ، وكذا في زمن الأئمّة عليهم السلام ، فإنّه يستبعد - بل قد يقال بامتناع - وصول الأحكام إلى جميع المسلمين على سبيل القطع والعلم الجازم المطابق للواقع ، فإنّ الناس كانوا يؤمرون بما يصل إليهم ممّن يعلم أنّه غير معصوم . وأمر المعصوم باتّباع قوله لا يدلّ على أنّه لا يقول إلّاما هو معصوم فيه عن الخطأ ، وتكليفُ كلّ أحدٍ بتحصيل العلم المذكور بمشافهةٍ وتواترٍ ونحوهما والعمل به لا بغيره يَستلزمُ حرجاً زائداً ومشقّةً عظيمةً .
فعلى هذا يكون المراد - واللَّه أعلم - أنّ الإنسان ينبغي أن يكون علمه وعمله مأخوذين عن أهل العلم عليهم السلام بحسب ما يصل إليه على وجه يحصل له به القطع أو
هامش
( 1 ) . في « ألف ، ب » : - / « القوي » .