فوَجَبَ في عدلِ اللَّه - عزّ وجلّ - وحكمتِه أن يَخُصَّ مَن خلَق من خَلْقِه خِلْقةً محتملةً للأمر والنهي بالأمر والنهي ،
شرح
وإنزال الكتب منوطان بوجود المكلّفين ؛ وقد ثبت جميع ذلك .
فإن قلت : لم لا يمكن البقاء مع رفع التكليف وأن يكون من باب البداء ؟
قلت : بعد أن أخبر سبحانه بأنّه خَلَقهم للتكليف ، وترتّب الثواب والعقاب عليه للمطيع والعاصي ، وأنّ ذلك كائن إلى انقضاء الدنيا ، وأنّه يُجازيهم « 1 » في الآخرة على ذلك ؛ فوقوع خلاف ذلك مخالف لما أخبر به وظهر من حكمته وإرادته ؛ فلا يتصوّر البداء في مثل هذا ؛ فإنّه يستلزم وقوع الكذب ؛ تعالى اللَّه عن ذلك . واحتمال النَّسْخ يندفع بنحو ما ذكر في البداء .
قوله : ( فَوَجَبَ في عدلِ اللَّهِ وحِكْمَتِه أنْ يَخُصَّ مَن خَلَقَ مِن خَلْقِه خِلْقَةً مُحْتَمِلَةً للأمرِ والنهي بالأمرِ والنهي ) إلى آخره .
أي فوجب بمقتضى عدل اللَّه وحكمته أن يخصّ من الخلق من يتحمّل الأمر والنهي ، فإنّ تعلّق الأمر والنهي بالمحتمل وغيره ظلم ، وكذا غير المحتمل ، واللَّه تعالى منزّه عنه ، وذلك مناف للحكمة أيضاً ؛ فإنّ الحكيم هو الذي يفعل الأشياء المحكمة المتقنة بحيث لا يشوبها شيء ممّا ينافيها ، ويضع الأشياء مواضعها ، وفعل غير ما ذكر منافٍ للحكمة ، ومقتضى العدل والحكمة أنّه يجب عليه تعالى ذلك ، أو يجب اعتقاده .
وتعلّق الوجوب به تعالى بمعنى أنّ الشيء الذي يليق بجنابه ولا يجوز أن يتخلّف عنه ثابتٌ له تعالى ولازمٌ ، وليس المراد الوجوب الذي يترتّب على تركه الذمّ أو « 2 » العقاب المتعلّق بالمكلّف .
وعلى هذا المعنى يتوجّه إنكار الأشاعرة ، وهذا لم يقل به أحد . والمعنى الأوّل
هامش
( 1 ) . في « ب » : « مجازيهم » .
( 2 ) . في « ألف ، ب » : - / « الذمّ أو » .