فلو كانَ يَسَعُ أهلَ الصحّة والسلامة المقامُ على الجهل ، لما أمَرَهم بالسؤال ، ولم يَكُنْ يَحتاجُ إلى بَعْثة الرسل بالكتب والآداب ، وكانوا يكونون عند ذلك بمنزلة البهائم ، ومنزلةِ أهل الضرر والزمانة ، ولو كانوا كذلك لما بقوا طرفةَ عَيْنٍ ، فلمّا لم يَجُزْ بقاؤُهم إلّابالأدب والتعليم ، وجَب أنّه لابُدَّ لكلّ صحيح الخِلْقة ، كاملِ الآلة من مؤدِّبٍ ودليلٍ ومشيرٍ ، وآمِرٍ وناهٍ ، وأدبٍ وتعليمٍ ، وسؤالٍ ومسألةٍ .
شرح
فقال : وكأنّه - قدّس سرّه - استدلّ بالآية من حيث إنّهم أخذ عليهم الميثاق بأن لا يقولوا فيما يتعلّق به تعالى - من المعرفة والدين والأحكام - بغير الحقّ مع ضميمة التكليف واضطرارهم إلى القول واحتياجهم إليه وإنّهم لم يخلوا منه ؛ فهو يستلزم أمرهم ودعاءهم إلى معرفة الحقّ ليقولوه فيما يتعلقّ به تعالى ، وإلّا فمجرّد ظاهر الآية كأنّه غير مستقلّ بالمراد .
ويمكن أن يقال : إنّ قولك مثلًا : « عاهدتُك على أن لا تفعل إلّاهذا ، ولا تقول إلّا هذا » معناه : افعل ما عاهدتك عليه وحده ، فتكون الآية من هذا القبيل ، بمعنى أنّ اللَّه تعالى أمرهم بقول الحقّ وحده ؛ واللَّه تعالى أعلم ، والآية الأخرى ظاهرة في ذمّهم على الجهل .
وفي باب النهي عن القول بغير علم من هذا الكتاب عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال : « إنّ اللَّه خصّ عباده بآيتين من كتابه : أن لا يقولوا حتّى يعلموا ، ولا يردّوا ما لم يعلموا ؛ قال اللَّه عزّ وجلّ :« أَ لَمْ يُؤْخَذْ » »وذكر الآيتين . « 1 »
وعن زرارة ، قال : سألت أبا جعفر عليه السلام : ما حقّ اللَّه على العباد ؟ قال : « أن يقولوا ما يعلمون ، ويقفوا عندما لا يعلمون » . « 2 »
قوله : ( فلَمّا لم يَجُزْ بَقاؤهم إلّابالأدَبِ والتعليم ) أي فلمّا اقتضت حكمة التكليف
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 43 ، باب النهي من القول بغير علم ، ح 8 .
( 2 ) . المصدر ، ح 7 .