والأسقف كلمة معربة من " أبيسكوبوس " اليونانية ومعناها الناظر ، وكان الأسقف الشخص الأول والباقون دون رتبته ، وهو أبو حارثة بن علقمة . فلما قرأ الأسقف الكتاب فزع وارتاع وقام وقعد ، وشاور أهل الحجى والرأي منهم ، فقال شرحبيل وكان ذا لب ورأي بنجران : قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة ، فما يؤمنك أن يكون هذا الرجل وليس لي في النبوة رأي ، ولو كان أمر من أمور الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك .
فبعث الأسقف إلى كل واحد واحد من أهل نجران ، فتشاوروا وكثر اللغط وطال الحوار والجدال ، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا وفداً يأتي رسول الله « صلى الله عليه وآله » فيرجع بخبره . فوفدوا إليه في ستين راكباً وفيهم ثلاثة عشر رجلاً من أشرافهم وذوي الرأي والحجى منهم ، وثلاثة يتولون أمرهم : العاقب واسمه عبد المسيح أمير الوفد وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه ، والسيد واسمه الأيْهم ، وهو ثمالهم وصاحب رحلهم ، وأبو حارثة بن علقمة أسقفهم الأول وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم ، وهو الأسقف الأعظم ، قد شرفه ملك الروم ومولوه وبنوا له الكنائس وبسطوا له الكرامات ، لما بلغهم من علمه واجتهاده في دينه .
فلما توجهوا إلى رسول الله « صلى الله عليه وآله » جلس أبو حارثة على بغلة وإلى جنبه أخ له يقال له كرز إذ عثرت بغلته ، قال : تعس الأبعد يريد محمداً « صلى الله عليه وآله » ! فقال له أبو حارثة : بل أنت تعست ! فقال له : ولم يا أخ ؟ فقال : والله إنه النبي الذي كنا ننتظره !
جواهر التاريخ ( السيرة النبوية ) — صفحة 199
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص١٩٩