والمراد : أنّ المعدوم المطلق لا يكون معلوماً إلّا بعنوان أنّه موجود في الذّهن فقط ، أيمعلوم بالذّات . وأمّا كون موجوداً في الذّهن حال كونه صورة أشير بها إلى شيء خارج يكون معلوماً بالعرض فلا ؛ لأنّ صورة الشّيء في الذّهن إذا لمتكن إشارة إلى ما في خارجه من ذهن آخر أو الخارج لم يتحقّق معلوم بالعرض ، وهذا مبني على مذهب الشّيخ وغيره من أنّ المعلوم بالذّات وبالحقيقة هو الصّورة ، وأمّا ذو الصّورة فمعلوم بالعرض ؛ فالمعلوم بالذّات هو العلم وإلّا لزم التسلسل إلى غير النّهاية كما صرّح به في كتبه .
ثمّ هذا المعلوم بالذّات من المعدوم - أعني المفهوم الّذي في الذّهن - ليس المعدوم المطلق الّذي يدّعي المعتزلة شيئيّته وصحّة الإخبار عنه ، بل هو أفراد الماهيّات ، وهذا المفهوم الإعتباري وجهه ، وكذا ما يخبر عنه من المفهوم ليس ما فيه الكلام ، أعني الأفراد ، بل هو وجه له .
فحاصل الكلام : أنّ المعدوم المطلق - أعني أفراد الماهيّات المعدومةلايكون معلوماً إلّا بعنوان أنّ وجهه يوجد في الذّهن ، كما إذا تصوّرنا مفهوم المعدوم المطلق بأن يتّصور الشّيء منسوباً إليه جميع أنحاء العدم ، أو ما هو بمنزلته من الكلّيات الفرضيّة وجعلناه آلة لملاحظة أفراده المعدومة ؛ فحينئذٍ المعدوم المطلق الّذي هو أفراد هذين المفهومين ، معلوميّته لنا بعنوان معلوميّة وجهها المعلوم بالذّات لا بالعرض .
وهذا الوجه - أيالمفهوم الّذي جعل آلة لملاحظة أفراده - ليس مشيراً إلى شيء من خارج يكون أفراداً له حتى يثبت في الخارج ما يتّصف بالشّيئيّة دون الوجود ، لانتفاء الأفراد الخارجية ، فلايلزم اتصاف المعدوم المطلق بالشيئية ، إذ المعلوم بالذّات الذي هو العنوان وإن كان شيئاً
شرح الإلهيات من كتاب الشفاء — صفحة 379
مساهمون: ملا محمد مهدي النراقي
ص٣٧٩