وترك الثّاني لظهوره من الأوّل ؛ إذ اليقين أصحّ المعرفة وأتقنها .
ويحتمل أن يكون قوله : « وهو أيضاً المعرفة باللّهِ » إشارة إليه ، إذ معرفة اللّه أصحّ المعارف وأتقنها .
ثمّ الفضيلة أمر إضافي ذو درجات ، فللحكمة بالإطلاق فضيلة على سائر العلوم لأنّها علم كلي ثابت على مرّ الدّهور ولا تُغيِّره الأعصار والقرون ، ولا تختلف باختلاف الأزمان والأوقات ، ولاتتبدّل بتبدّل الأوضاع واللّغات ؛ لأنّه « 1 » إثبات حقايق الأعيان بقاطع « 2 » البرهان ، ولذا حكم به نفاة « 3 » الملل والأديان بخلاف العلوم الشّرعيّة والوضعيّة ، فإنّها تتغيّر بتغيّر الملل والأوضاع ، ثمّ الإلهي أفضل أنواعه ذاتاً ومعلوماً وغاية .
أمّا الأوّل : فلأنّه يقيني لا تقليد فيه ، وغيره لا يخلو عن الظنّية والتقليد أو التسليم في بعض مقدّماته . وأيضاً هو يعطي اللمّ الدّائم الضّروري ، وهو أوثق البراهين وأتقنها .
وأمّا الثّاني : فلأنّ معلومه قيّوم الكلّ وصفاته العليا وأسماؤه الحسنى 47 / / والمباديء الفعّالة العالية ، والذّوات المجرّدة المتعالية ، وأحوال النشأة الباقية ومعاد النّفس بعد خلاصها عن الدّار الفانية ، وغير ذلك من أسرار النبوّات وأحوالها وكيفيّة والإلهامات ومحالها .
وأمّا الثّالث : فلأنّ غاية الوقوف على حقايق الملك والملكوت والإطّلاع على دقائق قدس الجبروت ، فيصير عالَماً عقليّاً مضاهياً للعالم الأكبر ، وعقلًا فعليّاً ينطوي فيه النّظام الأكمل ، فيستعدّ بذلك للسّعادة القصوى ومجاورة الملأ الأعلى والعروج إلى الصُّقع الأعظم ، والإتّصال بحزب اللّه المعظّم .
هامش
( 1 ) كذا
( 2 ) د : لقاطع
( 3 ) كذا في النسخ