من هنا حمل الفقهاء هذه الرواية على أنّ السائل عالم بأنّه ليس له مال إلّا الحرام ، فأجابه عليه السلام : إن كان كذلك فلا يجوز الأكل من عنده ، وإن كان له معاش أو مال غير ذلك بحيث يحتمل أن يكون ما يعطيه منه جاز الأكل ، فالميزان بأن يحتمل كون المال الذي يأخذه منه حلالًا « 1 » .
وعلى حدّ تعبير المحقّق النراقي : أنّ « ( لا ) [ هنا ] نافية ؛ لأنّ معنى قوله :
« وإلّا » أي وإن لم يكن له مال غير الحرام الذي في يده ، لا أنّه إن لم يعلم له مال ، فيكون حكمه مسكوتاً عنه فيه ، فيعمل بمقتضى الإطلاق » « 2 » .
الصورة الثانية - العلم إجمالًا بوجود مال حرام في جملة أموال الجائر :
لو علم إجمالًا بوجود مال حرام في جملة أموال الظالم يمكن أن تكون الجائزة كلّها أو بعضها منه ، مع عدم العلم باشتمال تلك الجائزة عليه .
وقد يظهر من بعض من تقدّم من الفقهاء الحلّ مطلقاً من غير تفصيل بين الشبهة المحصورة وغير المحصورة ، حيث حكموا بالحلّ ولم يستثنوا إلّامعلومية كون المأخوذ حراماً ، واستدلّوا له بالروايات المتقدّمة .
قال المحقّق الحلّي : « جوائز الجائر إن علمت حراماً بعينها فهي حرام ، وإلّا فهي حلال » « 3 » ، ونحوه غيره « 4 » .
وقال الشهيد الثاني في شرح عبارة الشرائع : « التقييد بالعين إشارة إلى جواز أخذها وإن علم أنّ في ماله مظالم كما هو مقتضى حال الظالم ، ولا يكون حكمه حكم المال المختلط بالحرام في وجوب اجتناب الجميع ؛ للنصّ « 5 » على ذلك » « 6 » .
وكذا صرّح المحقّق النجفي بالحلّ وإن علم أنّ في ماله محرّماً ، ما لم يعلم الحرمة بعينها ، نافياً الإشكال والخلاف في ذلك ، مستدلّاً له بالأصل والمعتبرة المستفيضة ،
هامش
( 1 ) الحدائق 18 : 259 . جواهر الكلام 22 : 172 .
( 2 ) مستند الشيعة 14 : 201 .
( 3 ) الشرائع 2 : 12 - 13 .
( 4 ) القواعد 2 : 12 . نهاية الإحكام 2 : 525 . التحرير 2 : 271 . الحدائق 18 : 261 .
( 5 ) انظر : الوسائل 17 : 213 ، ب 51 ممّا يكتسب به .
( 6 ) المسالك 3 : 141 .