وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً في المؤمن : « . . . إنّه لأكرم على اللَّه من ملك مقرّب » « 1 » .
نعم ، لا ينبغي الإفراط في تنزيه المؤمنين بحيث يُصار إلى القول بعصمتهم من كلّ ذنب ، والحكم بعدالتهم في كلّ الأحوال ، حتى لو ارتكبوا المنكرات ، وصدرت منهم الأباطيل ، كما ذهب إلى ذلك من قال بعدالة الصحابة قاطبة ، وأنّهم فوق المؤاخذة والشبهات ، وأنّ عدالة الصحابة كالجبال الرواسي لا تتصدّع بجميع المنكرات والمعاصي .
وهذا مخالف لصريح القرآن الكريم الذي أشار بوضوح إلى وجود جماعة من المنافقين في صفوف الصحابة ، ممّن يستحقّون العذاب ، كما في قوله تعالى :
« وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ »
« 2 » .
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « أنا فرطكم على الحوض « 3 » ، ولُانازعنّ أقواماً ، ثمّ لُاغلبنّ عليهم فأقول : يا ربّ ، أصحابي ، فيقول : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ! » « 4 » .
كما لابدّ من التأكيد على أنّ تنزيه المؤمنين لا يؤخذ على إطلاقه ؛ لاقتضاء الضرورة أحياناً عدم التنزيه ؛ إمّا لإحقاق حقّ أو لإبطال باطل ، كما في جرح وتعديل الرواة ، وإثبات الحقوق في باب القضاء ، وإبداء النصيحة عند الاستنصاح كما في موارد الزواج ونحوها « 5 » .
5 - تنزيه كتاب اللَّه عزّوجلّ :
القرآن الكريم هو كتاب اللَّه تعالى المنزّه عن التبديل والتحريف والتغيير والاختلاف ، وأنّه يصدّق بعضه بعضاً ، قال تعالى :
« أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً »
« 6 » ، وقوله سبحانه :
« لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ »
« 7 » ،
هامش
( 1 ) عيون أخبار الرضا 2 : 37 ، ح 62 .
( 2 ) التوبة : 101 .
( 3 ) أي متقدّمكم إليه ، يقال : فَرَط يفرط فهو فارط وفَرَطٌ ، إذا تقدّم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء . النهاية ( ابن الأثير ) 3 : 434 .
( 4 ) مسند أحمد 1 : 635 ، ح 3632 .
( 5 ) كشف الريبة ( المصنّفات الأربعة ) : 33 .
( 6 ) النساء : 82 .
( 7 ) فصّلت : 42 .