وأمّا الكلام في المقام الثاني - أعني ترجيح أحد الجانبين ، وهو : ترك التقيّة في إظهار كلمة الكفر ، وفعلها - فقد اختلف الفقهاء فيه على أقوال ومنشأ الاختلاف في ذلك هو اختلاف الروايات الواردة في المقام ، والأقوال هي :
الأوّل : رجحان التقيّة ، ذهب إليه الشيخ الأنصاري « 1 » والسيّد الخميني « 2 » .
وتدلّ عليه روايات كثيرة :
منها : موثّقة مسعدة بن صدقة ، قال :
قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام : إنّ الناس يروون أنّ عليّاً عليه السلام قال على منبر الكوفة : أيّها الناس ، إنّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني ، ثمّ تدعون إلى البراءة منّي فلا تبرؤوا منّي ، فقال : « ما أكثر ما يكذب الناس على علي عليه السلام » ، ثمّ قال : « إنّما قال : إنّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني ، ثمّ تدعون إلى البراءة منّي وإنّي لعلى دين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يقل : ولا تبرؤوا منّي » ، فقال له السائل : أرأيت إن اختار القتل دون البراءة ؟ فقال : « واللَّه ، ما ذلك عليه ، وما له إلّا ما مضى عليه عمّار بن ياسر ، حيث أكرهه أهل مكّة وقلبه مطمئنّ بالإيمان ، فأنزل اللَّه عزّوجلّ فيه :
« إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ »
« 3 » ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندها : يا عمّار ، إن عادوا فعد فقد أنزل اللَّه عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا » « 4 » .
وناقش السيّد الخوئي في هذه الرواية من حيث السند والدلالة وقال : « أمّا أوّلًا :
فلأنّها ضعيفة السند بمسعدة ؛ لعدم توثيقه في الرجال . وأمّا ثانياً : فلقصور دلالتها على حرمة القتل ووجوب التبرّي عند الإكراه ؛ لأنّه عليه السلام إنّما نفى كون القتل على ضرره وبيّن أنّ ما ينفعه ليس إلّاما مضى عليه عمّار ، ولم تدلّ على حرمة التعرّض على القتل حينئذٍ بوجه ، بل التعرّض على القتل والتبرّي كلاهما سيّان » « 5 » .
ومنها : قول أمير المؤمنين عليه السلام في احتجاجه على بعض اليونان : « . . . وقد أذنت لكم في تفضيل أعدائنا إن ألجأك
هامش
( 1 ) رسائل فقهية ( تراث الشيخ الأعظم ) : 101 - 103 .
( 2 ) الرسائل العشرة : 22 - 32 .
( 3 ) ( ) النحل : 106 .
( 4 ) الوسائل 16 : 225 - 226 ، ب 29 من الأمر والنهي ، ح 2 .
( 5 ) التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 4 : 262 .