فكيف يسوغ له أن يروي رواية أخرى بعين ذلك السند يدلّ على خلاف ما استفاده من الصحيحة الأولى ، أعني حرمة التقيّة في الأمور الثلاثة الواردة في الصحيحة ؟ !
ومنها : أنّ السند في كلتا الروايتين واحد .
ومنها : أنّ الرواية قد نقلها في الوافي بلفظة « لا نتّقي » لا « لا يتّقى » ولعلّه هو الصحيح ، وعلى ذلك فالاتّحاد بين الروايتين ظاهر حيث لا فرق بين « نتّقي » و « أتّقي » ؛ لأنّهم عليهم السلام بمنزلة شخص واحد .
فبهذه الأمور نستظهر اتّحاد الروايتين ولا أقلّ من احتمال ذلك ، إذاً لا دلالة في الصحيحة على عدم جواز التقيّة في الأمور الثلاثة لغيرهم عليهم السلام .
ثمّ لو سلّمنا أنّ الصحيحة « لا يتّقى » وأنّها مغايرة مع الصحيحة الأولى فالظاهر أنّها غير ناظرة إلى أنّ التقيّة غير جارية في الأمور الثلاثة بحسب الحكم بأن تكون الصحيحة دالّة على حرمة التقيّة فيها ومخصّصة للعمومات والإطلاقات الواردة في التقيّة ، بل إنّما هي ناظرة إلى عدم جريان التقيّة فيها بحسب الموضوع أو الشرط « 1 » ، وذلك إمّا بالإضافة إلى شرب الخمر ؛ إذ لم نجد أحداً من العامة يفتي بجواز شرب الخمر في الشريعة المقدّسة ، كيف وحرمته من الضروريات والمسلّمات ؟ ! ومع عدم ذهابهم إلى الجواز لا معنى للتقيّة المصطلح عليها في شربه ؛ لأنّها إنّما تتحقّق فيما إذا كان الأمر على خلاف مذهبهم ، وأمّا مع الموافقة فلا موضوع للتقيّة .
نعم ، يمكن أن يجبر السلطان أو الحاكم أحداً على شربه إلّاأنّه خارج عن التقيّة المصطلح عليها ويندرج تحت عنوان الاضطرار أو الإكراه على شرب الخمر ؛ لأنّ التقيّة إنّما تتحقّق بإظهار الموافقة لهم فيما يرجع إلى الدين وإظهار الموافقة لهم لا بعنوان الدين ، والحكم الشرعي خارج عن التقيّة بالكلّية .
وأمّا متعة الحجّ فلأجل أنّها وإن كانت
هامش
( 1 ) التنقيح في شرح العروة ( الطهارة ) 4 : 249 - 251 .