وقد تكون في العبادة :
أمّا التقيّة في ترك الواجب أو الإتيان بالحرام فالظاهر فيها اعتبار عدم المندوحة في وجوب التقيّة أو جوازها ؛ وذلك لأنّ التقيّة في عدّة من الروايات قد قيّدت بالضرورة والاضطرار ، وأنّ التقيّة من وقى يقي وقاية ، والوقاية بمعنى الصيانة عن الضرر ، ومنه المتّقون ؛ لتحذّرهم وصيانة أنفسهم من سخط اللَّه سبحانه ، وعليه فقد اخذ في مفهوم التقيّة خوف الضرر واحتماله ، ولا إشكال في أنّ المكلّف مع وجود المندوحة لا يحتمل ضرراً في ترك شرب النبيذ أو في الإتيان بواجب ؛ لأنّ المفروض تمكّنه من ذلك لوجود المندوحة العرضية أو الطولية ، ومع عدم خوفه وعدم احتماله الضرر في ترك شرب النبيذ كيف يكون ارتكابه تقيّة رافعة لحرمته ؟ ! وعليه فلا يصدق مفهوم التقيّة في موارد وجود المندوحة .
وأمّا التقيّة منهم في العبادات - كما في التقيّة في ترك شرط أو جزء أو الإتيان بمانع في العبادة - فالظاهر تسالم الفقهاء على عدم الاعتبار وأنّه لا يعتبر عدم المندوحة فيها مطلقاً - عرضية كانت أم طولية - وذلك لما ورد عنهم عليهم السلام من الحثّ والترغيب في الصلاة معهم « 1 » وفي عشائرهم « 2 » وفي مساجدهم « 3 » .
بل في رواية حمّاد بن عثمان عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنّه قال : « من صلّى معهم في الصفّ الأوّل كان كمن صلّى خلف رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم في الصفّ الأوّل » « 4 » ، فإنّ مقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين صورة التمكّن من الإتيان بالوظيفة الواقعية إلى آخر الوقت وصورة عدم التمكّن من ذلك ، وحملها على عدم التمكّن من الإتيان بالصلاة الواقعية ولو في داره إلى نهاية الوقت حمل لها - على كثرتها - على مورد نادر ، وهو من الاستهجان بمكان .
بل ظاهر أمرهم عليهم السلام بالصلاة معهم وحثّهم وترغيبهم على ذلك أن تكون الصلاة معهم وفي صفوفهم بالقدرة والاختيار ، لا خصوص ما إذا كانت لأجل
هامش
( 1 ) الوسائل 8 : 299 ، ب 5 من صلاة الجماعة ، ح 2 .
( 2 ) الوسائل 16 : 219 ، ب 26 من الأمر والنهي ، ح 2 .
( 3 ) الوسائل 8 : 301 ، ب 5 من صلاة الجماعة ، ح 8 .
( 4 ) الوسائل 8 : 299 ، ب 5 من صلاة الجماعة ، ح 1 .