وناقش فيه عدّة من الفقهاء ، منهم المحقّق النجفي فإنّه قال : « لا أرى له وجهاً صحيحاً » « 1 » .
ومنهم الشيخ الأنصاري حيث قال : « إنّ الفرق بين كون متعلّق التقيّة مأذوناً فيه بالخصوص أو بالعموم لا نفهم له وجهاً . . .
بل كلّ ما يوجب الإذن في الدخول في العبادة امتثالًا لأوامرها كان امتثاله موجباً للإجزاء وسقوط الإعادة ، سواء كان نصّاً خاصّاً أو دليلًا عاماً . . . » « 2 » .
ومنهم السيّد الحكيم حيث استظهر من روايات الباب ضعف ما ذكره المحقّق الثاني من التفصيل .
وقال في بيان وجه الضعف : « إنّك عرفت دلالة النصوص على صحّة العمل المأتيّ به على وجه التقيّة من دون فرق بين صورة إمكان الإعادة وغيرها ، وصورة وجود المندوحة العرضية وعدمها ، كرواية الأعجمي « 3 » ورواية هشام « 4 » والشحّام « 5 » وموثّق سماعة « 6 » ، وكفى بالعمومات - مثل : « التقيّة ديني ودين آبائي » « 7 » - في الدلالة على جميع ذلك ، بل ظاهر روايتي الشحّام وهشام رجحان التقيّة ، وإن لم يكن خوف على النفس أو المال ، بل لمجرّد الاحتفاظ بالجهات الأدبية ، ونحوها غيرها » « 8 » .
القول الرابع : وهو التفصيل الذي اختاره الشيخ الأنصاري ، وحاصله : إنّ هناك ثلاث صور :
الأولى : ما إذا كان المتّقي قادراً على الامتثال الواقعي من دون تعويض في الزمان والمكان ، كما إذا كان عمله في الظاهر على وفق مذهب المتّقى منه مع إتيانه بالعمل الصحيح الاختياري واقعاً ، كمن يمكنه عند إرادة التكفير للتقيّة من الفصل بين يديه ، بأن لا يضع بطن إحداهما على ظهر الأخرى بل يقارب بينهما ، كما إذا تمكّن أيضاً من صبّه الماء من الكفّ إلى المرفق لكنّه ينوي الغسل عند رجوعه من المرفق إلى الكفّ ، وجب ذلك ولم يجز العمل على وجه التقيّة ، بل التقيّة على هذا الوجه غير جائزة في غير العبادات أيضاً ، وكأنّه ممّا لا خلاف فيه .
الصورة الثانية : ما إذا كان في ضرورة بالنسبة إلى بعض الوقت دون تمامه ، فلو أراد الصلاة - مثلًا - في أوّل وقتها لم
هامش
( 1 ) جواهر الكلام 2 : 238 .
( 2 ) رسائل فقهيّة ( تراث الشيخ الأعظم ) : 84 .
( 3 ) الوسائل 16 : 215 ، ب 25 من الأمر والنهي ، ح 3 . وهوخبر أبي عمر الأعجمي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام - في حديث - أنّه قال : « لا دين لمن لا تقيّة له ، والتقيّة في كلّ شيء إلّافي النبيذ والمسح على الخفّين » .
( 4 ) الوسائل 16 : 219 ، ب 26 من الأمر والنهي ، ح 2 . وهو خبر هشام الكندي ، قال : سمعت أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول : « . . . صلّوا في عشائرهم ، وعودوا مرضاهم ، واشهدوا جنائزهم . . . » .
( 5 ) الوسائل 8 : 430 ، ب 75 من صلاة الجماعة ، ح 1 . وهو خبر زيد الشحّام عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنّه قال : « يا زيد ، خالقوا الناس بأخلاقهم ، صلّوا في مساجدهم ، وعودوا مرضاهم ، واشهدوا جنائزهم ، وإن استطعتم أن تكونوا الأئمّة والمؤذّنين فافعلوا ، فإنّكم إذا فعلتم ذلك قالوا : هؤلاء الجعفريّة ، رحم اللَّه جعفراً ، ما كان أحسن ما يؤدّب أصحابه ، وإذا تركتم ذلك قالوا : هؤلاء الجعفريّة ، فعل اللَّه بجعفر ، ما كان أسوأ ما يؤدّب أصحابه » .
( 6 ) الوسائل 8 : 405 ، ب 56 من صلاة الجماعة ، ح 2 . وهو خبر سماعة ، قال : سألته . . . قال : « . . . فإنّ التقيّة واسعة ، وليس شيء من التقيّة إلّاوصاحبها مأجور عليها ، إن شاء اللَّه » .
( 7 ) الوسائل 16 : 204 ، ب 24 من الأمر والنهي ، ح 4 .
( 8 ) مستمسك العروة 2 : 405 - 406 .